فإِن قال قائل فَلِمَ قيل لهم فلم تقتلون أنبياءَ الله من قبل، وهؤُلاءِ لَمْ يَقْتُلُوا نبياً قط؟
قيل له قال أهل اللغة في هذا قولين:
أحدهما إن الخطاب لمن شُوهِدَ من أهل مكةَ ومنْ غاب خطَابٌ واحد، فإذا قَتَل أسْلافُهم الأنبياءَ وهم مُقِيمُون على ذلك المذهب فقد شَرَكُوهم في قَتْلِهمْ.
وقيل أيضاً لِمَ رَضيتمُ بذلك الفعل، وهذا القول الثاني يرجع إلى معنى الأول.
وإنما جاز أنْ يُذكر هنا لفظُ الاستقبال والمعنى المضي لقوله (من قبل)
ودليل ذلك قوله (قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ) فقوله: (فلم تَقتلون) بمنزلة"فلم قتلتم".
وقيل في قوله: (إِنْ كُنتم مؤمنين) قولان:
أحدهما ما كنتم مؤمنين.
وقيلَ إِنَّ إِيمانكم ليس بإيمان.
والإيمان ههنا واقع على أصل العقد والدين، فقيل لهم ليس إيمان إيماناً إذَا كان يَدْعُو إلى قتل الأنبياءِ.
(قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(94)
وللنبي - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين في هذه الآية أعظم حجة وأظهرُ آية وأدلة على الإِسلام، وعلى صحة تثبيت رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه قال لهم: تَمنَّوُا الموت.
وأعلمهم أنهم لن يتمنوه أبداً فَلَمْ يتمنَّه منهم واحد لأنهم لو تمنوه لماتُوا من ساعتهم، فالدليل على علمهم بأن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - حق أنهم كَفُّوا عن التَمني ولم يُقْدِم واحد منهم عليه فيكون إقْدامُه دفعاَ لقوله: (ولَنْ يتَمنَوْه أبداً) .
أو يعيش بعد التمني فيكون قد ردَّ ما جاءَ به النبي - صلى الله عليه وسلم - فالحمد للَّهِ الذي أوضَح الحق وبيَّنَه، وقَمع الباطل وأزْهقه.