فأعلم أن ذلك تمييز أراد اللَّه منها، ولو كان يراد بذلك الصنعة لم يقل (وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب) ، لأن أثر الصنعة شامل للمؤمن وغيره.
(أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(75)
هده الألف ألف استِخبارٍ، وتجري في كثير من المواضع مجرى الإنكار والنهي إذا لم يكن معها نفي، كأنَّه أيئسهم من الطمع في إِيمان هذه الفرقة من اليهود، فإذا كان في أول الكلام نفي، فإنكار النفي تثبيت نحو قوله عزَّ وجلَّ: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ(8) قَالُوا بَلَى).
فجواب (أفتطمعون) "لا"كما وصفنا.
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ...(83)
القراءَة على ضربين، تعبدون ويعبدون بالياءِ والتاءِ وقد روي وجه ثالث لا يؤخذ به لأنه مخالف للمصحف - قرأ ابن مسعود: لا تعبدوا.
ورفع (لا تعبدون) بالتاء على ضربين، على أن يكون (لا) جواب القسم لأن أخذ الميثاق بمنزلة القسم، والدليل على ذلك قوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ)
فجاءَ جواب القسم باللام فكذلك هو بالنَفْي بـ (لا)
ويجوز أن يكون رفعه على إسقاط"أن"على معنى"ألا تعبدوا"فلما سقطت أن رفعت، وهذا مذهب الأخفش وغيرِه من النحويين.
فأما القراءَة بالتاء فعلى معنى الخطاب والحكاية كأنَّه قيل قلنا لهم لا تعبدون إِلا الله.
وأمَّا (لا يعبدون) بالياء فإِنهم غيَّبٌ، وعلامة الغائب الياء.
(قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(91)
أيْ أيُّ كتاب جُوّز فيه قتل نبي، وأي دين وإيمان جُوز فيه ذلك؟!!