قال الله عز وجل: في التابوت: (تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ) [البقرة: 248] .
قال ابن عباس رضي الله عنه في رواية أبي صالح عنه: هذا كما تقول: حملت إلى بلد كذا وكذا برّا وقمحا، وإنما تريد أمرت بحمله.
فأعلمنا أنهم يكتبونه بأيديهم ويقولون: هو من عند الله. وقد علموا يقينا - إذ كتبوه بأيديهم - أنه ليس من عند الله.
(إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ...(124)
الإمام: أصله ما ائتممت به. قال الله تعالى لإبراهيم: (إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً) . أي: يؤتمّ بك، ويقتدى بسنّتك.
ثم يجعل الكتاب إماما يؤتم بما أحصاه. قال الله عز وجل: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ) [سورة الإسراء: 71] أي: بكتابهم الذي جمعت فيه أعمالهم في الدنيا.
وقال: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ) [سورة يس: 12] يعني: كتابا، أو يعني: اللّوح المحفوظ.
وقد يجعل الطريق إماما، لأنّ المسافر يأتم به ويستدل. قال الله تعالى: (وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ) [سورة الحجر: 79] أي: بطريق واضح.
(صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) [سورة البقرة: 138]
يريد الختان، فسماه صبغة، لأن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماء ويقولون: هذا طهرة لهم كالختان للحنفاء، فقال الله تعالى، صِبْغَةَ اللَّهِ أي الزموا صبغة الله لا صبغة النصارى أولادهم، وأراد بها ملة إبراهيم عليه السلام.
(وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ) [سورة البقرة: 177]
والقرّاء جميعا على نصب الصابرين إلا عاصما الجحدري فإنه كان يرفع الحرف إذا قرأه، وينصبه إذا كتبه، للعلّة التي تقدم ذكرها.
واعتل أصحاب النحو للحرف، فقال بعضهم: هو نصب على المدح، والعرب تنصب على المدح والذم، كأنهم ينوون إفراد الممدوح بمدح مجدّد غير متبع لأوّل الكلام، كذلك قال الفرّاء.