* ذَكَرُوا فِي وَجْهِ تَعَلُّقِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ بِمَا قَبْلَهُمَا وُجُوهًا.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُضِيعُ إِيمَانَهُمْ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحج: 65] وَالرَّءُوفُ الرَّحِيمُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ هَذِهِ الْإِضَاعَةُ.
وثانيها: أنه لرؤف رَحِيمٌ فَلِذَلِكَ يَنْقُلُكُمْ مِنْ شَرْعٍ إِلَى شَرْعٍ آخَرَ وَهُوَ أَصْلَحُ لَكُمْ وَأَنْفَعُ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
وَثَالِثُهَا: قَالَ: (وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وإنما هداهم الله ولأنه رءوف رَحِيمٌ.
(قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ...(144)
قَوْلُهُ: (تَرْضاها فِيهِ وُجُوهٌ) .
أَحَدُهَا: تَرْضَاهَا تُحِبُّهَا وَتَمِيلُ إِلَيْهَا، لِأَنَّ الْكَعْبَةَ كَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِهَا بِحَسَبِ مَيْلِ الطَّبْعِ، قَالَ الْقَاضِي: هَذَا لَا يَجُوزُ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً) يَمِيلُ طَبْعُكَ إِلَيْهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْدَحُ فِي حِكْمَتِهِ تَعَالَى فِيمَا يُكَلِّفُ، وَيَقْدَحُ فِي حَالِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيمَا يُرِيدُهُ فِي حَالِ التَّكْلِيفِ، وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الطَّعْنَ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّا حَوَّلْنَاكَ إِلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي مَالَ طَبْعُكَ إِلَيْهَا بِمُجَرَّدِ مَيْلِ طَبْعِكَ فَأَمَّا لَوْ قَالَ: إِنَّا حَوَّلْنَاكَ إِلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي مَالَ طَبْعُكَ إِلَيْهَا لِأَجْلِ أَنَّ الْحِكْمَةَ وَالْمَصْلَحَةَ وَافَقَتْ مَيْلَ طَبْعِكَ فَأَيُّ ضَرَرٍ يَلْزَمُ مِنْهُ
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»
فَكَانَ طَبْعُهُ يَمِيلُ إِلَى الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ كَانَتْ مُوَافِقَةً لِذَلِكَ.
وَثَانِيهَا: (قِبْلَةً تَرْضاها) أَيْ تُحِبُّهَا بِسَبَبِ اشْتِمَالِهَا عَلَى الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ.