الْبَحْثُ الثَّانِي: أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِذَا كَانَتِ الْعِبَادَةُ تَقْوًى فَقَوْلُهُ: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) جَارٍ مَجْرَى قَوْلِهِ: اعْبُدُوا رَبَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَعْبُدُونَ؟ أَوِ اتَّقَوْا رَبَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ؟
وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِبَادَةَ نَفْسُ التَّقْوَى، بَلِ الْعِبَادَةُ فِعْلٌ يَحْصُلُ بِهِ التَّقْوَى، لِأَنَّ الِاتِّقَاءَ هُوَ الِاحْتِرَازُ عَنِ الْمَضَارِّ، وَالْعِبَادَةُ فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَنَفْسُ هَذَا الْفِعْلِ لَيْسَ هُوَ نَفْسُ الِاحْتِرَازِ عَنِ الْمَضَارِّ بَلْ يُوجِبُ الِاحْتِرَازَ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (اعْبُدُوا رَبَّكُمْ) لِتَحْتَرِزُوا بِهِ عَنْ عِقَابِهِ، وَإِذَا قِيلَ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ إِنَّهُ اتِّقَاءٌ فَذَلِكَ مَجَازٌ لِأَنَّ الِاتِّقَاءَ غَيْرُ مَا يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّقَاءُ، لَكِنْ لِاتِّصَالِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ بِالْآخَرِ أُجْرِيَ اسْمُهُ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَ الْمُكَلَّفِينَ لِكَيْ يَتَّقُوا وَيُطِيعُوا عَلَى مَا قَالَ: (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذَّارِيَاتِ: 56] فَكَأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِعِبَادَةِ الرَّبِّ الَّذِي خَلَقَهُمْ لِهَذَا الْغَرَضِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ لَائِقٌ بِأُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ.
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(22)
وهاهنا سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: هَلْ تَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ لِهَذِهِ الثَّمَرَاتِ عَقِيبَ وُصُولِ الْمَاءِ إِلَيْهَا بِمَجْرَى الْعَادَةِ، أَوْ تَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ فِي الْمَاءِ طَبِيعَةً مُؤَثِّرَةً، وَفِي الْأَرْضِ طَبِيعَةً قَابِلَةً، فَإِذَا اجْتَمَعَا حَصَلَ الْأَثَرُ مِنْ تِلْكَ الْقُوَّةِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى؟