وَثَانِيهَا: أَنَّ مِنْ عَادَةِ الْمُلُوكِ وَالْعُظَمَاءِ أَنْ يَقْتَصِرُوا فِي مَوَاعِيدِهِمُ الَّتِي يُوَطِّنُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى إِنْجَازِهَا عَلَى أَنْ يَقُولُوا لَعَلَّ وَعَسَى وَنَحْوَهُمَا مِنَ الْكَلِمَاتِ، أَوْ لِلظَّفَرِ مِنْهُمْ بِالرَّمْزَةِ، أَوِ الِابْتِسَامَةِ أَوِ النَّظْرَةِ الْحُلْوَةِ فَإِذَا عُثِرَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لِلطَّالِبِ شَكٌّ فِي الْفَوْزِ بِالْمَطْلُوبِ فَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ وَرَدَ لَفْظُ لَعَلَّ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَثَالِثُهَا: مَا قِيلَ أَنَّ لَعَلَّ بِمَعْنَى كي، قال صاحب «الكشاف» : ولعل لَا يَكُونُ بِمَعْنَى كَيْ، وَلَكِنَّ كَلِمَةَ لَعَلَّ لِلْإِطْمَاعِ، وَالْكَرِيمُ الرَّحِيمُ إِذَا أَطْمَعَ فَعَلَى مَا يُطْمَعُ فِيهِ لَا مَحَالَةَ تَجْرِي أَطْمَاعُهُ مَجْرَى وَعْدِهِ الْمَحْتُومِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قِيلَ لَعَلَّ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى كَيْ.
وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى فَعَلَ بِالْمُكَلَّفِينَ مَا لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَاقْتَضَى رَجَاءَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ، لِأَنَّهُ
تَعَالَى لَمَّا أَعْطَاهُمُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَخَلَقَ لَهُمُ الْعُقُولَ الْهَادِيَةَ وَأَزَاحَ أَعْذَارَهُمْ، فَكُلُّ مَنْ فَعَلَ بِغَيْرِهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَرْجُو مِنْهُ حُصُولَ الْمَقْصُودِ، فَالْمُرَادُ مِنْ لَفْظَةِ لَعَلَّ فِعْلُ مَا لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَكَانَ مُوجِبًا لِلرَّجَاءِ.
خَامِسُهَا: قَالَ الْقَفَّالُ: لَعَلَّ مَأْخُوذٌ مِنْ تَكَرُّرِ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِمْ عَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ، وَاللَّامُ فِيهَا هِيَ لَامُ التَّأْكِيدِ كَاللَّامِ الَّتِي تَدْخُلُ فِي لَقَدْ، فَأَصْلُ لَعَلَّ عَلَّ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ عَلَّكَ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا، أَيْ لَعَلَّكَ، فَإِذَا كَانَتْ حَقِيقَتُهُ التَّكْرِيرَ وَالتَّأْكِيدَ كَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ: افْعَلْ كذا لعلك تظفر بحاجتك معنا.
افْعَلْهُ فَإِنَّ فِعْلَكَ لَهُ يُؤَكِّدُ طَلَبَكَ لَهُ وَيُقَوِّيكَ عَلَيْهِ.