وجوابه: أنّ عليّا أراد بذلك قوّة يقينه قبل العيان؛ حتّى كأنّ الزّيادة الحاصلة له بالعيان يسيرة لا يعتدّ بها.
[71] فإن قيل: فما فائدة قوله: (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) [البقرة: 260] أي فضمّهنّ، ولفظ الأخذ مغن عنه؟
قلنا: الفائدة فيه تأمّلها، ومعرفة أشكالها وصفاتها؛ لئلّا يلتبس عليه بعد الإحياء فيتوهّم أنّه غيرها.
[72] فإن قيل: كيف مدح الله المتّقين بترك المنّ؛ ونهى عن المنّ، أيضا، مع أنّه وصف نفسه بالمنّان، في نحو قوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 164] .
قلنا: منّ بمعنى أعطى؛ ومنه المنّان في صفات الله تعالى. وقوله: (فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ؛ وقوله:(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 164] ، أي أنعم عليهم؛ وقوله: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ) [محمد: 4] ، أي إنعاما بالإطلاق، من غير عوض؛ ومنّ بمعنى اعتد بالنّعمة، وذكرها، واستعظمها؛ وهو المذموم.
[72 م] فإن قيل: قوله: (تعالى:(بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ) [الحجرات: 17] من القسم الثاني.
قلنا: ذلك اعتداد بنعمة الإيمان؛ فلا يكون قبيحا؛ بخلاف نعمة المال. ولأنه يجوز أن يكون من صفات الله تعالى ما هو مدح في حقّه، ذمّ في حقّ العبد، كالجبّار، والمتكبّر، والمنتقم، ونحو ذلك.
[73] فإن قيل: كيف قال تعالى: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ؛ ثم قال له: فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) [البقرة: 266] .
قلنا: لمّا كان النخيل والأعناب أكرم الشّجر، وأكثرها منافع، خصّهما بالذّكر، وجعل الجنّة منهما؛ وإن كان فيها غيرهما؛ تغليبا لهما، وتفضيلا.
[74] فإن قيل: قوله تعالى: (لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً) [البقرة: 273] ، يدل بمفهومه على أنّهم كانوا يسألون الناس برفق؛ فكيف قال: (يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) [البقرة: 273] .
قلنا: المراد به نفي السؤال والإلحاف جميعا، كقوله تعالى: (لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ) [البقرة: 71] وكقول الأعشى: لا يغمز الساق من أين ولا وصب
معناه: ليس بساقه أين ولا وصب، فيغمزها.
[75] فإن قيل: كيف قال: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا) [البقرة: 275] الآية؛ ألحق الوعيد بآكله؛ مع أنّ لابسه ومدّخره وواهبه، أيضا؛ في الإثم سواء؟