[66] فإن قيل: كيف انتقل إبراهيم، صلّى الله عليه وسلّم، إلى حجّة أخرى، وعدل عن نصرة الأولى؛ مع أنّه لم ينقطع بما عارضه به نمرود، من قتل أحد المجوسيين وإطلاق الآخر؛ فإن إبراهيم، صلّى الله عليه وسلّم، ما أراد هذا الإحياء والإماتة؟
قلنا: إمّا لأنّه رأى خصمه قاصر الفهم عن إدراك معنى الإحياء والإماتة التي أضافها إبراهيم، صلّى الله عليه وسلّم، إلى الله؛ حيث عارض معارضة لفظيّة، وعمي عن اختلاف المعنيين؛ أو لأنّه علم أنّه فهم الحجّة، لكنّه قصد التمويه والتلبيس على أتباعه وأشياعه؛ فعدل إبراهيم إلى أمر ظاهر يفهمه كلّ أحد، ولا يقع فيه تمويه ولا تلبيس.
[67] فإن قيل: كيف طبع الله على قلبه، فلم يعارض بالعكس، في طلوع الشمس؟
قلنا: لأنّه لو عارض به لم يأت الله بها من المغرب، لأن ذلك أمارة قيام الساعة فلا يوجد إلا قريبا من قيامها، ولأنّه وأتباعه كانوا عالمين أنّ طلوعها من المشرق سابق على وجوده، فلو ادّعاه لكذّبوه.
[68] فإن قيل: كيف قال عزير، عليه السلام، منكرا مستبعدا: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها) [البقرة: 259] ، وهو نبيّ؛ والنبيّ لا تخفى عليه قدرة الله تعالى على إحياء قرية خربة وإعادة أهلها إليها؟
قلنا: ما قاله منكرا مستبعدا لعظيم قدرة الله تعالى؛ بل متعجّبا من عظيم قدرته تعالى أو طلبا لرؤية كيفيّة الإعادة؛ لأنّ أنّى بمعنى كيف، أيضا. وقد نقل عن مجاهد أنّ المارّ على القرية القائل ذلك كان رجلا كافرا شاكّا في البعث؛ وإن كان الأوّل هو المشهور.
[69] فإن قيل: كيف قال الله تعالى لإبراهيم عليه السلام: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) [البقرة: 260] ؛ وقد علم أنه أثبت الناس إيمانا؟
قلنا: ليجيب بما أجاب به؛ فتحصل به الفائدة الجليلة للسّامعين من طلبه لإحياء الموتى.
[70] فإن قيل: كيف يجوز أن يكون النبيّ غير مطمئن القلب بقدرة الله على إحياء الموتى؛ حتّى قال إبراهيم: لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ) [البقرة: 260] ؛ مع أنّ قلبه مطمئن بقدرة الله على الإحياء؟
قلنا: معناه ليطمئنّ قلبي بعلم ذلك عيانا، كما اطمأنّ به برهانا؛ أو ليطمئنّ بأنّك اتّخذتني خليلا؛ أو بأنّي مستجاب الدّعوة.
ولقائل أن يقول: على الوجه الأول، كيف يزداد يقينا بالمشاهدة، وقد روي عن علي، كرّم الله وجهه، أنّه قال: ( «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا» ، وإبراهيم صلوات الله عليه وسلامه أعظم رتبة وأجلّ؟