قلنا: هذه الآيات لا تدلّ على وجود الشفاعة يوم القيامة؛ بل تدلّ على أنّها لا توجد ولا تنفع من غير إذنه؛ ولا توجد لغير مرضيّ عنده. وهذا لا ينافي نفي وجودها؛ بل المنافي له الإخبار عن وجودها، لا الإخبار عن إمكان وجودها. ولو سلّم، فالمراد به نفي شفاعة الأصنام والكواكب، التي كانوا يعتقدونها؛ ولهذا عرّض بذكر الكفّار، بقوله تعالى: (وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ. وقيل: المراد أنه لا شفاعة في إثم ترك الواجبات؛ لأنّ الشّفاعة، في الآخرة، في زيادة الفضل لا غير؛ والخطاب، مع المؤمنين، في النفقة الواجبة، وهي الزّكاة.
[63] فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [البقرة: 254] على وجه الحصر وغيرهم ظالم أيضا؟
قلنا: لأنّ ظلمهم أشدّ، فكأنّه لا ظالم إلّا هم؛ نظيره: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) [فاطر: 28] .
[64] فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) [البقرة: 257] بلفظ المضارع؛ ولم يقل أخرجهم بلفظ الماضي؛ والإخراج قد وجد؛ لأنّ الإيمان قد وجد؟
قلنا: لفظ المضارع فيه دلالة على استمرار ذلك الإخراج، من الله تعالى، في الزّمان المستقبل؛ في حقّ من آمن، بزيادة كشف الشبه ومضاعفة الهداية؛ وفي حق من لم يؤمن، ممّن قضى الله أنّه سيؤمن، بابتداء الهداية وزيادتها، أيضا. ولفظ الماضي لا يدلّ على هذا المعنى.
[65] فإن قيل: متى كان المؤمنون في ظلمات الكفر، والكافرون في نور الإيمان ليخرجوا من ذلك؟
قلنا: الإخراج يستعمل بمعنى المنع عن الدّخول؛ يقال لمن امتنع عن الدّخول في أمر خرج منه، وأخرج نفسه منه؛ وإن لم يكن دخل فيه. فعصمة الله تعالى المؤمنين عن الدخول في ظلمات الضّلال إخراج لهم منها، وتزيين قرناء الكفار لهم الباطل الّذي يصدّونهم به عن الحقّ إخراج لهم من نور الهدى. ولأنّ إيمان رؤساء أهل الكتاب بالنّبيّ، عليه الصلاة والسلام، قبل أن يظهر، كان نورا لهم؛ وكفرهم به، بعد ظهوره، خروج منه، إلى ظلمات الكفر. ولأنّه لما ظهرت معجزاته، عليه الصلاة والسلام، كان موافقه ومتّبعه خارجا من ظلمات الجهل، إلى نور العلم؛ ومخالفه خارجا من نور العلم، إلى ظلمات الجهل.