ما أورثه الحرمان والمضرة، ولو لم يكن منهم فعل لما وصفهم بذلك، ولولا صحة ما قلناه، لما جاز أن يقول تعالى بعد ذلك: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} (1) ؟ فيذمهم ويوبخهم، ويؤكد ذلك بذكر نعمة الله عليهم، وهم (2)
مع ذلك كالظروف لا يفعلون، وإنما يفعل فيهم.
وقد بين شيوخنا أن على قولهم لا يكون لله عز وجل على الكفار (3) نعمة، ولا يمكن القول بأنه يلزم شكره وعبادته، بل يجب القول بأنه يستحق الذم، بل أعظم الذم!! وبيان ذلك أن النعمة هي المنفعة التي «لا يعقبها مضرة (4) أعظم منها، إذا كانت حسنة (5) ، ولذلك (6) لا يعد من أطعم غيره خبيصا مسموما بأنه من المنعمين. فإذا صح ذلك وكان عند القوم أن الله تعالى خلق الكفار للنار، وما خلقهم إلا لها، وعلى ذلك يحملون قوله عز وجل: { (لَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} (7) ويروون عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: (قال الله تعالى: خلقت هؤلاء للجنة ولا أبالى، وهؤلاء للنار ولا أبالى(8 ) ) ومن خلق
(1) سورة البقرة: 28
(2) د: وهو.
(3) د: الكافر
(4) ف: لا تعقب بمضرة.
(5) النعمة هي: «كل منفعة حسنة واصلة إلى الغير إذا قصد فاعلها بها وجه الإحسان إليه» وانظر في بيان شرحها وحقيقتها وخلافهم في قيد «الحسن» وبيان حقيقة المنعم:
شرح الأصول الخمسة: 8177.
(6) في د: وكذلك.
(7) سورة الأعراف: 179.
(8) روى مسلم بن يسار الجبني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية { (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، قَالُوا بَلى شَهِدْنَا، أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) } . فقال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يسأل عنها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار ولعل أهل النار يعملون» الحديث، أخرجه الإمام مالك في الموطأ 2/ 899898