قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ} وفي هذه الآية موضعان يشابهان موضعين من آيتين أخريين. الأول قوله: {مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} وبإزائه في سورة لقمان: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} . والموضع الثاني قوله في سورة المائدة: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ} .
للسائل أن يسأل، فيقول: هل لتخصيص الموضع الذي في البقرة بقوله {أَلْفَيْنَا}
دون {وَجَدْنَا} فائدة تخصه؟ وهل لتخصيص الموضع الثاني بقوله: {لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً}
دون قوله {لَا يَعْلَمُونَ شَيْئاً} فائدة؟ وهل لتخصيص {لَا يَعْلَمُونَ} في موضعه دون قوله: {لَا يَعْقِلُونَ} في موضعه فائدة؟
الجواب عن الموضع الأول وهو قوله: {أَلْفَيْنَا} أن «ألفينا» يقصد بها بعض الوجوه التي يستعمل عليه «وجدنا» لأنه يقال: وجدت الشيء ، فلا يحتاج إلى مفعول ثان إذا وجدته عن عدم، ولوجدان الضالة تقول: وجدت الضالة وتقول: وجدت زيدا عاقلا، فيكون الوجود متعلقا بالخبر الذي هو المفعول الثاني، ولا بدّ له في هذا الوجه منه، ولا يكتفي بالمفعول الأول، وأما قولهم «ألفيت» فإنها مخصوصة بهذا الوجه من وجوه «وجدت» ، لا يقال: ألفيت درهما بمعنى: وجدت درهما، ولا: ألفيت الضالة بمعنى: وجدتها، وإنما يقال: ألفيت زيدا عاقلا، وألفيته على الهدى وعلى الضلالة، فكان في الموضع الأول استعمال اللفظ الأخص أولى، وتأخير اللفظ المشترك إلى المكان الثاني أولى.