والوجه الثاني: من الجواب عن السؤال الأول أن يقال: إن هذه الآية تبكيت للمعاندين من أهل الكتاب الذين ادعوا أن لزوم دينهم وشريعتهم مما أوجبه الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه على سلفهم وخلفهم، فاحتج عليهم بأن ما يدّعونه لا يقدرون فيه على أن يقولوا أنهم سمعوا ذلك منهم مشاهدة لقوله تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي} على معنى: لم يكونوا شهداء، فإذا لم يثبت ذلك عندهم بمشاهدة ينقطع العذر وتلزم الحجة لأن تلك الأمة قد خلت وانقضت وأدّت عن الله ما تحملت، وهو أن تكون التوراة قد أخبرت بمجيء عيسى عليه السّلام ومجيء النبي صلى الله عليه وسلم من بعده، فلها الأجر في صحة أدائها وإظهارها ما أخذ الله به الميثاق عليها في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} ومعنى قوله: {وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} إثم ما كسبتم لما نبذتم ذلك وراء ظهوركم واشتريتم به ثمنا قليلا فهذا معنى قوله: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} فتبين لك أنهم إذا لم يعلموا ما يدّعونه من طريق المشاهدة، لم يبق إلا أن يعلموه بخبر مخبر، والمخبر الذي بينهم وبين تلك الأمة ممن يجوز عليه الكذب، وهذا خبر الله تعالى وهو الخبر الذي لا يكذب نبيه على ذلك بقوله عند الانتهاء: