قال ابن القيم - رحمه الله تعالى: وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة عيشه الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مر السحاب؛ فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته، وإن عاش فيه عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير من حياته [1] .
فمن أدرك حقيقة الوقت على هذا المنوال، وسارع إلى استثمار لحظاته في صالح الأعمال، فقد سلك سبيل النجاح في الدنيا والنجاة في المآل؛ فكانت أوقاته عبادات وتفكُّر، ولحظاته قربات وتذكُّر؛ فلا تراه إلا قائمًا بالفرائض والواجبات، حريصًا على قضاء فراغه في الطاعات، ملازمًا للجد والاجتهاد، مواظبًا على المجاهدة والجهاد، توَّاقة نفسه للثواب العظيم عند الله تعالى يوم المعاد.
وما ضَيَّعَ الإنسانُ لحظات عمره في السفاسف واللهو إلا لجهله بحقيقة الوقت وماهيته وثمرته، وقد يكون جهلُه ناتجًا عن بُعْده عن العلم والمعرفة، وقد يكون ناتجًا عن ضعف إيمانه وقلة يقينه وإقبال المذموم على
(1) الجواب الكافي (184) .