وقلة فتراته. والكلاب أبطأ، وذلك يتبين في مرأى العين، وهذا كالقطب يدور بالرحى تكاد تخطف الأبصار من سرعة الحركة، وذلك لأن أقصى الرحى يحتاج إلى قطع دائرة تكسيرها عشرة من الذرعان، في المدة التي يقطع القطاب فيها شبرا في شبر.
ومما نستدل به عليهم أن نقول: نظر الناظر إلى جسم صغير وحسم كبير،
فيعلم اضطرارا أن أحدهما أكبر من الآخر، ومن أبدى في ذلك ريبًا قطع الكلام عنه. فإذا استيقنا ذلك فلا يخلو التفاضل في الكبير والصغير، إما أن يرجع إلى كثرة الأجزاء، وإما أن لا يرجع إليه. فإن رجع إلى كثيرة الأجزاء، فقد بان تناهى الجسم. إذ لو كان كل واحد من الجسمين غير متناهي الأجزاء، لما تصور كون أحدهما أكثر أجزاء من الآخر، إذ نفي النهاية ينافي النقصان. فلو كان أحدهما أكثر أجزاء من الآخر، إذ نفى النهاية ينافي النقصان. فلو كان أحدهما أكثر أجزاء، لكان الثاني أنقص أجزاء، لكان الثاني أنقص أجزاء، ووضوح ذلك يغني عن تقريره.
وإن زعم الخصم أن العظم والكثرة لا ترجع إلى عدد الأجزاء، وإنما ترجع إلى عظم الأجزاء في أحد الجسمين، وصغرها في الجسم الآخر. وهذا الذي قاله باطل مضمحل، فإن الذي ألزمناهم في الجسمين يلزمهم في جزئ الجسمين.
فنقول: لِمَ كان أحدهما أعظم من الآخر؟ فلا يجدوا عن ذلك مخلصا. على أن الذي قالوه، قريب من جحد الضرورة. فإنا إذا صورنا الكلام في جسمين متماثلين في الصغر والكبر، ثم نضم إلى أحدهما أمثالا فنعلم وصف أحد الجسمين حقيقة أنه أكبر من الآخر، والجسم الأول لم يتغير عما عهدناه. فعرفنا قطعًا أن وصف الكبير ثبت لانضمام زوائد الأجزاء، وهذا ما لا يجحده إلا معاند.