نملة تفتتح الدبيب من احد طرفي الجسم، ولا تزال كذلك حتى تنتهي إلى الطرف الآخر، فقد استيقنا أنا قطعت الجسم وخلفت أجزاء البسيط. فلو كانت أجزاؤه غير متناهية، لما تصور الفراغ من قطعه وتخليفه، إذ الانقضاء ينبئ عن الانتهاء، وما اتحال عليه وصف الانتهاء، لم يعقل فيه الانقضاء.
فإن قال قائل: إنما يقطع الجسم البسيط يقطع جملة غير متناهية، فلم يبعد أن يقطع ما لا يتناهى مثله. وإنما كان يلزم السؤال، لو كان القاطع مثناهيا والمقطوع غير متناهى. وهذا الذي قالوه لا محصول له، فإن مالا يتناهى يستحيل عليه الانقضاء من كل وجه، وليس لانقضائه في الجواز ووجه في الاستحالة، كما أن الذي يقدر متناهيا، يجوز تقدير انقضائه من كل وجه.
والذي يوضح ما قلناه أن يقول الخصم: إن الجسم لا يتناهى جملة. وليس من أصله أن يتناهى جملا ولا يتناهى أجزاء، إذ الجزء للفرد لا يتصور عدمه، وإنما الذي لا يتناهى الجمل. فإذا استبان أن الجسم البسيط لا يتناهى جملة، فكيف قطعتها جملة. والمقطوع من حيث الجمل لا يتناهى؟ فلما لم يجدوا مخلصا مما ألزموا، رام النظام انفصالا فقال: لا سبيل إلى قطع البسيط على الحقيقة. ولكن القاطع يقابل جزء منه ويفطر وهو في طفرته غير مقابل البسيط، فيقطع الجسم قطعا وطفرا.
وهذا الذي ذكره واضح البطلان، قريب من جحد للضرورة، وسبيل الكلام عليه من أوجه.
أحدهما: ان نقول: ما قطعته مما سلته متناه أو غير متناه؟ فإن زعم أنه متناه، فقد أثبت قدرا متناهيا، وسلم المسألة. وإن زعم أنه غير متناه وقد تصور القطع فيه، فما يغنيه بعد ذلك تصوير الطفرة، وقد سلم قطع ما لا يتناهى، وهذا أقصى مطلبنا.