مقاله. والذي يوضح ذلك أنهم بما قالوا: جَسُمَ المرء جسامة، كما قالوا: بَدُنَ بدانة، فأصدروا عن الجسم أو الجسامة وجوه الأفعال، واشتهر منهم التفعيل، فيقولون: جَسُمَ الشيء تجسيمًا.
ومن أوضح ما يدل على ذلك إطلاقهم الجسم، وهذا من البناء في القياس المطرد، يترتب على فعل، يفعل. فإنهم يقولون: كرُم فهو كريم، وظرُف فهو ظريف. ومن ذلك قال أهل العربية لما قيل لهم: الأفعال على اقتضاء المفاضلة، إنما يجري في الأفعال الثلاثية دون غيرها، ونحن نجد العرب تقول: فلان أفقر من فلان، وما استعملوا فيه فعلا ثلاثيًا.
فقالوا مجيبين: من أصل لغتهم تقدير الفعل الثلاثي صادرًا من الفقر، وإن أضافوه في الاستعمال، ولم يذيعوه في مجاري الكلام. ويدل عليه قولهم: فقير، فإنه دليل على ترتبه على فَقُر. ومنهما استبان استعمال العفل ثلاثيًا من الجسم، فلا منع في استعمال الأفعال إذا لم يكن في الأصل مختصًا بالخلق اللازمة والألوان.
ثم نقول: إن ناقش في الأجسم، فلا مناقشة في الجسم، ولا شك أن المراد به معنى المبالغة، ثم تلك المبالغة المرادة باللفظة لا ترجع إلا إلى كثرة الأجزاء أو تألفها. وغرضنا يستتب ببناء واحد.
ومما اعترض به الجهلة على ما قدمناه أن قالوا: بناء الأفعال قد يرد على غير إرادة المبالغة، ومنه قول القائل:
قبحتم بآل زيد نفرا ... أ لأم قوم أصغرًا وأكبرًا
وكذلك قالوا: قول القائل: الله أكبر، ليس المراد به تعرضًا لمفاضلة ومبالغة، بل المراد به الله الكبير. وكذلك المراد بقوله: وهو أهون عليه، أي وهو هين عليه.
وهذا الذي ذكروه خروج منهم عن مقصدنا عن مقصدنا، وإعراض عما رمناه. وذلك