أنا لم نقل الأجسم ينبئ عن التفاضل لبناء به، بل قلنا: إنهم يطلقونه على إرادة المبالغة، ويقولون في الشخصين اللذين اختص أحدهما بالبدانة والعبالة، والثاني بالنحول: هذا أجسم من هذا، وذلك ما لا سبيل إلى إنكاره. فلا يخلص الخصم عن ذلك تصويره بناء في غير المبالغة بعد ما وضح إرادة المبالغة.
على أنا لو ردنا إلى قياس الأبنية، لما كان ما قالوه مناقرا لما أبديناه. فإن الأفعال إذا استعمل مع من، أنبًا عن مبالغة لا محالة، ولو قدر مفصولا عن من، مجردًا عنها، لا نقسم بعد ذلك مذاهبه، ولأغلب عليه مبالغة. والذي استدا لنا به مقرون بمن.
ومما يحاولون به قدحًا أن قالوا: لو صح ما قلتموه، لصح إطلاق الأجسم في الجمادات صحته في الحيوانات، فإن التفاضل في كثيرة الأجزاء والتأليفات تحقق في الجمادات، تحققه في الحيوانات.
وهذا الذي ذكروه من أظهر آيات الجهل بمذاهب اللغات. فإن أصول الاشتقاقات لا يجب طردها. وقد يشذ منها بعض المسميات، وقد يختص الاسم في عموم الاستعمال وعليه العرف ببعض المسميات، وإن افتضي أصل الوضح والاشتقاق عدم الاختصاص.
والذي يوضح ذلك قطعنا أن الدأب مشتقة من الدبيب، وموضع الاشتقاق يتضمن تسمية كل من دبّ ودرج دابة أو دابًا، ولكن غلب الاستعمال في بعض الأشياء، وأمثال ذلك لا تنحصر في اللغة. على أن الذي قالوه ينعكس عليهم في اعتبار الطول والعرض والعمق، فإن هذه الصفات لا تختص بالحيوان، بل تتحقق فيها وفي الجمادات، وإنما كان يكون ما قالوه قدحًا، لو لم نلزمهم على موجب أصلهم مثل ما ألزمونا.