فقد علمنا قطعًا أنهم قصدوا بإطلاق هذه اللفظة التعرض لتفاضل بين الذاتين، ثم نظرنا في جملة صفات الذات وتتبعناها سبرًا وتقسيمًا، فعلنا أنهم لم يريدوا بالأجسم التفاضل في معنى، عدًا كثرة الأجزاء والتأليف فيها.
فإنا لو قلنا: أرادوا بأجسمها أعلمها أو أكثرها حركة أو سكونًا، إلى غير ذلك من المعنى. فنعلم بطلان جميعها جميعها إلا ما ارتضيناه. وإذا ثبت أ، الأجسم ينئ عن التفاضل في الأجزاء والتأليف، وهو صيغة مقتضبة من الجسم، فإذا دلت في بناء التفضل على المفاضلة في معنى، وجب دلالة أصل اللفظ على ذلك المعنى.
والذي يوضح ذلك أن الأعلم لما أنبأ عن التفاضل في العلم، وكان مأخوذًا من العلم، أنبأ أصل العلم عن ما دل عليه الأعلم، ووضوح ذلك يغنى عن بسطه.
وللخصوم على الدلالة التي ذكرها أسئلة يهون دفعها. فمما راموا الاعراض به أن قالوا: معولكم على الأجسم ومعناه. والأجسم ليس من لغة العرب، وربما يسندون ذلك إلى ابن دريد صاحب (( الجهرة ) )فيقولون: سئل ابن دريد عن الأجسام، فقال: لا أعرفه.
وهذا الذي ذكروه مباهتة ومناكرة، لما ظهر واشتهر وانتشر. فإنا نعلم أن من تخلل خلل أعراب البوادي، وعبّر بالأجسم عن الأضخم، لما أنكروا عليه.