ثم الذي ذكروه رجوع إلى السمع، ورد له. فإن أرباب التأويل أقعوا قاطبة على أن قوله تعالى: (( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) )من حجاج القرآن. وليس الغرض منه إنباء عن مغيب، وإخبار عن مجوّز؛ بل مساقه مساق الاحتجاج. كقوله تعالى في الرد على من أنكر الحشر واستبعد إعادة العظام بعد ما رُمّت: (( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ) ). فكان ذلك احتجاجا من الله على المنكرين للإعادة، المعترفين بالبداية والنشأة. فقد صرحت الآية في التوحيد بالاحتجاج العقلي بإجماع الأمة. فمن زعم أنه ليس في القرآن حجة مقضية إلى درك الوحدانية، فقد راغم نص الكتاب، ولم يستند بالاسترواح إلى السمع إلا التكذيب به، عصمنا الله من الخبال في الدين والضلال المؤدى إلى محادّة المسلمين.
ثم نقول لهؤلاء: لو قدرنا قديمين متساويين في كمال الاقتدار، وصورنا اختلافهما في المراد، فلا يكون أحدهما بإيجاد مقدوره أولى من الثاني على ما قدمنا تقديره. فلو جعلنا ذلك من جائزات العقول، لزم فيه تجويز ثبوت قادر مع استحالة وجود مقدوره، ومع ارتفاع الموانع والدوافع. فمن ساغ ذلك في عقله فليسوغ ثبوت مقدور بلا قادر، فإنه إن لم يبعد ثبوت قادر مع استحالة المقدور الممكن، لم يبعد ثبوت المقدور مع انتفاء القادر. ثم يلزم من ذلك إبطال المعجزات في أنفسها، إذ الإعجاز لا يتحقق بالآية والآيتين، وإنما نعرف ثبوت آحاد ألآى مترتبًا على ثبوت صرف المبلّغ. ولا يثبت صدق المبلغ إلا بالمعجزة، ثم لا تدل المعجزة إلا بعد أن يثبت فعلا الله سبحانه وتعالى. فيم تنكرون على من يزعم أنها وقعت من غير قادر؟
فإن قالوا: يستحيل وقوع مقدور من غير قادر.