والذي يقع به الاستقلال ها هنا أن نقول: لو قدر خلق بين خالقين؛ فلا يخلو كل واحد منهما أن يكون بحيث لو انفرد، تصور منه إيجاد المقدور، أو كان بحيث لو انفرد، لم يتصور منه إيجاد المقدور. فإن كان كل واحد منهما بحيث لو انفرد تصور منه إيجاد المقدور، فأثر قدرته عند تقدير الاجتماع، كأثر قدرته عند تقدير الانفراد. ثم القدرة عند تقدير الانفراد تؤثر في إيجاد الذات فلتؤثر عند الاجتماع، وإذا أثرت عند الاجتماع، نفت القدرة الثانية، ولم يبق لها أثر. ولو قدر كل واحد منهما غير مستقل بالاختراع عند الانفراد، ولا يتصور تأثير القدرة عند الاجتماع، فإن المسألة مفروضة في مخترع واحد، ومن حكم الواحد أن يستحيل ببعضه. فإذا لم يؤثر قدرة أحدهما عند الانفراد، فلا أثر لها أصلا سواء قدر منفردًا أو مع غيره.
وهذا رمزنا إلى الدلالة، وفي بسطها، خروج عن مقصدنا، وجزم بشرط الكتاب، فإن من شرطنا فيه محاذرة التكرار ما أمكن.
واعلموا-وفقكم الله-أن المتأخرين من المعتزلة لما استيقنوا اضطراب أدلة التوحيد على قضية أصولهم، وعلموا أنها لا تستقيم على قواعدهم، أبدوا عند ذلك طريقة، انسلوا بها عن ربقة الدين، فقالوا: ليس في العقل ما يدل على الوحدانية، وإنما سبيل معرفتها الشرع.
قال القاضي رضي الله عنه: وإنما العجب من أقوام يستقصون عقولا تستدل في الرؤية وخلق الأعمال، وأبواب الهدى والضلال بالأدلة السمعية، ويزعمون أن مدارك العقائد العقول، ثم يكبهم الله لمنا خرهم، ويركسهم على رؤوسهم، حتى يعترفوا بأن التوحيد لا يثبت عقلا. ولولا ورود السمع لجوزنا إثبات آلهة.