فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 322

والذي يوضح ذلك أن قائلا لو قال: هل في المقدور نصب دلالة على صدق الأنبياء خارجة عن قبيل المعجزات، ثم زعم أنه لو لم يتصور ذلك، أفضى إلى تعجيز الإله وتناهي مقدراته. فسبيل الجواب أن نقول: تقدير دليل آخر سوى المعجزات محال، وعدم تصور المحال لا يوجب تعجزًا.

ومما يختص المعتزلة بالتزامه بالتزامه أن قالوا: إذا رأينا شجرة تهتز وتتمايل، فلا يتميز عندنا خلق الإله من خلق غيره بقضية عقلية، فيجوز أن تكون حركتها من فعل الله إبتداء، يجوز أن تكون متولدة من سبب من الأسباب، وسنوضح ذلك في خلق الأعمال، فبطل ما عولوا عليه.

فهذا جميع ما تمسكوا به في اثبات الوحدانية، ولا يشذ منها شيء إلا ترديد عبارات وتكرير صيغ وألفاظ. وفيما قدمناه التنبيه على جميع مقاصدهم. ثم إن القاضي رضي الله عنه ذكر دلالة مقتضبة من دلالة التمانع، وأوضح استقامتها على أصول أهل الحق، وبطلانها على قواعد المعتزلة، وذلك أنه قال: لو قدرنا قديمين، قادرين، غير متصفين بشيء من صفات النقص، ووصفنا كل واحد منهما بالاقتدار على جميع المقدورات، ثم قدرنا اختلافهما في الإرادة كما أوضحناه فيما تقدم، فإذا أراد أحدهما تحريك جوهر، وأراد الآخر تسكينه، فليس أحدهما أولى بأن يوجد مقدوره من الثاني. فإذا فرضنا الكلام في تقدير قديمين متساويين في جملة صفات الإلهية، وإذا كانا كذلك، استحال تخصص أحدهما بإيجاد مقدوره، واستحال اجتماع المقدورين لتضادهما، فلم يبق إلا أن لا يوجد مقدور واحد منهما، وذلك مستحيل، إذ الاقتدار في الفعل الممكن يتضمن تجويز وقوعه، إذا لم يكن القادر ممنوعًا. وقد أوضحنا استحالة رجوع المنع إلى ذاتيهما أو إلى صفتهما، ولم يتحقق أيضًا من أحدهما فعل فيقدر منعًا للثني. وكل أصل يترتب عليه امتناع وقوع المقدور من غير مانع، فهو باطل من حيث أفضى إلى قلب الحقيقة.

فان قال قائل: ثم تنكرون علمن من يزعم أن المقدور ممنتع وقوعه جملتموه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت