فإن زعم الخصم أن ذلك ليس بدليل ولا بد من الاعتراف بذلك، فيقال لهم: فقد تقابلت الجائزات على نحو ما حررتموه في الدلالة، وأنّى يستقيم ذلك من أشمتنا مع تجويز هم ثبوت صفات الله تعالى سمعيه، كاليدين، والعينين، والوجه لا يتوصل إلى دركها بقضايا العقول؟
فإن قال قائل: ألستم قلتم إن من ادعى صفة للحوادث زائدة على ما استدركتها العقول من الصفات، كان مبطلا، سبيل الرد عليه انتفاء الأدلة والعلوم الضرورية؟
فلنا: من اقتصر في إيضاح فساد وادعاء صفة زائدة على الصفات على ما ذكرتموه، كان قاصرًا في استدلاله، غير بالغ مقصده.
فإن قيل: فما سبيل الاستدلال على نفي الصفات المدّعاة؟
قلنا: سنجمع في ذلك طرقًا عند ذكرنا سبيل الدلالة.
ومما يتمسك به المعتزلة، وبعض المنتمين إلينا، أن قالوا: لو قدرنا قديمين لم يخل: إما أن يقدر كل واحد منهما على نصب دلالة تختص بالدلالة عليه والتعلق به، أولا يقدر واحد منهما على ذلك، أو يقدر أحدهما دون الثاني. فإن لم يقدرا بان عجزهما ووضح تقصهما، وإن لم يقدر أحدهما استبان تقصه.
وإن قيل: هما جميعًا قادرا على ذلك؛ كان ذلك محالا، فإن الدال على الصانع صنعه فلا يتصور في المعقول تقدير صنع يبين اختصاصه بأحدهما، وهذا فيه نظر أيضًا. وذلك أن للقائل يقول: يم تنكرون على من يزعم أن نصب الدلالة على تعيين أحدهما محل، وليس من قبيل المقدورات؟ فلزم من عدم تصوره، العجز والنقص، إذ عدم تصور المحال لا يعجز القادر كاجتماع الضدين الضدين وسائر وجوه الاستحالة، فعلى الخصم أن يوضح كون ذلك من المقدورات أولا عند تقدير اثنين، ثم يرتب عليه التعجيز عند عدم تصوره ثانيًا.