في بغية الحق فكره، ولا يتصور أن يتوهم في الموجود كونه عالمًا بالشيء جاهلا به، فوضح من هذا الوجه التوصل إلى الفرق بين القدميين وبين القديم الواحد. وهذا ما لا مخلص لهم منه.
ثم الذي قالوه يبطل عليهم بسوادين قائمين بمحل واحد، فإنهما لا يتميزان بزمان، ولا مكان، ولا صفة ثابتة. ولو عدم أحدهما بضد طارئ، للزم عدم الثاني؛ ثم لم يمنع ذلك، العلم بالسوادين وفي هذا نظر عندي.
فإن للخصم أن يقول: يتميز السوادان بتجويز وجود أحدهما مع تقدير انتفاء الثاني ابتداء، وليس يتحقق ذلك في القديمين.
والذي لا محيص لهم منه، تصوير صوتين متماثلين في المحل الواحد، فإنهما لا يتميزان من الوجوه التي قدمناها، ولا يستقيم لهم في الصوتين ما ذكروه في السوادين، فإن الأصوات من الأعراض التي لا يتعين زمان وجودها. فإذا فرضنا الكلام عليهم في صوتين يوجدان معًا، فلا سبيل إلى تقدير أحدهما دون الثاني.
فإن حاولوا من ذلك انفصالا وقالوا: يقع التمييز بدرك السمع، فإن العاقل يميز بين إدراك صوت واحد وبين إدراك صوتين.
وسبيل الجواب عن ذلك أن نفرض الكلام في غير المدرك، ونقول: هل يتصور منا التوصل إلى العلم بالصوتين من غير إدراك بأن نضطر إلى ذلك؟
فإن قالوا: نعم؛ ولا بد منه.
قيل: لهم: فيم تنكرون على من يزعم أنه يصح العلم اضطرارًا بالقديمين على الوجه الذي ألزمتموه في الصوتين. وهذا ما لا جواب فيه.