أحدهما عن الثاني بمكان؛ ولا زمان، ولا حيز، فحكمهما حكم الموجود الواحد، فإنهما لم يثبت تميزهما بمكان، وحيز، وزمان، وصفة راجعة إلى الذات، ولا نعلم التمييز بالإقعال، فإنه ما من فعل إلا ويجوز تقديره من كل واحد منهما، وكل موجودين لا نتصور التوصل إلى تمييز أحدهما عن الثاني، فلا نتصور العلم بهما.
واعلموا، أن هذا الذي ذكروه مما تمسك به حذاقهم وقد يتمسك به بعض أصحابنا، وهو باطل غير سديد، ولا مفضي إلى الحق، قضاره الاقتصار على الدعوى.
وأول ما نفاتحهم به أن نقول: بم تنكرون على من بزعم أنه يثبت قديمين موجودين، وإن كان لا يتميز أحدهما عن الثاني، فما المانع من ذلك، وما المحيل له، وما الدليل على ادعاء الاستحالة فيه؟
ويتضح ما قلناه بطلبة وتقسيم. وذلك أنا نقول: ما المعنى بقولكم: لا يتميز أحدهما عن الثاني؟
فإن عنيتم بذلك أن أحدهما لا يختص بحيز، فالإله الواحد أيضًا لا يختص بحيز، فيلزم على درد قولكم نفي العلم به لاستحالة تحيزه. وإن عنيتن بما قلتموه أن أحدهما إذا لم يعلم اختصاصه عن الثاني، وحجب نفيهما؛ فهذه عدوى مجردة. وما المانع من اعتقاد موجودين من غير أن يختص أحدهما بوصف ليس للثاني؟ فلا يرجعون عند الطلبة إلى محصول.
على أنا نقول: ثم تنكرون على من يزعم أن في المقدور خُلق علم ضروري بأحدهما على التعيين، وليس كل ما يمتنع التوصل إليه دليلا يمنع العلم به.
والذي يوضح ذلك: أن من قدر قديمين، فيصح أن يتوهم كون أحدهما جاهلا