أنهم قالوا: من حكم المقدور على مقتضي أصلكم أن نقارن القدرة وقوعه على الواجب، وهذا يوجب وجود مقدور كل واحد من القديمين، وذلك يبطل التمانع.
وهذا الذي ذكروه واضح البطلان، فإنا إنما نقول بوجوب اقتران القدرة والمقدور في حقوق المحدثين بالقدرة المحدثة، وكيف يتوهم ذلك في قدرة القديم، وهي قديمة، ولو قار نها مقدورها؛ لزمه، واستحالة قدر الفعل مدركة بضرورة العقل، فبطل ما عولوا عليه.
فإن قالوا: ما ذكرتموه في القدرة الحادثة، يلزمكم مثله في القدرة القديمة. فلنا: هذا تحكم منكم، واقصار على محض الدعوى. فلم قلتم: إن ما يثبت للعدرة الحادثة من الأحكام، يجب الحكم بثبوت مثله في القدرة القديمة، وهذا ما لا يجدون فيه جمعًا، فيلز منا الفصل بعد جمعهم، وسنستقصي في كتاب (( القدر ) )وجوه الفصل بين القدرتين.
ومما يعارض كلامهم أن نقول: لو جاز الحكم بتساوي القدرتين، لجاز الحكم بتساوي أحكام الوجودين حتى يكون حكم الإله في وجوده من كل وجه؛ حكم سائر الموجودات. وهذا يجر إلى ضروب من الجهالات.
وأقرب شيء يعارضون به أن يقال: إن لم يبعد منكم نقض العلة والمصير إلى أن العالم منا عالم لعلمه، والقديم عالم لنفسه، وهذا فصل بين العالمين والقادرين، وهو مفضي إلى نفض العلة، فلا تستبعون مثل ذلك في العلمين والقدرتين، ووضوح ذلك يغني عن بسطه.
ولهم أسئلة تداني ما قدمناه، ونحن نشير إلى ذكرها والجواب عنها موجزين