فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 322

وإن عنوا بالاضطرار التخويف. قيل لهم: هذا ما لا ملجًا فيه من وجهين:

أحد هما: أنه قد يقع في المعلوم إباء الملجأ المضطر عن ما اضطر إليه. وإن أيقن بالمعاطب والمهالك، فقد يأبى ما ابتُغِىَ منه مستسلمًا للمهلكة، مستبسلا فيها، غير مكترث بروحه.

والذي يوضح ذلك: أنا شاهدًا أقوالهما يرام منهم مرام، ويقطعون إربا، وثم مصرون على الإباء عنه، غير مكترثين بما يلم بهم من الآلام، ويبرح بهم مع الأوجاع والأسقام.

والذي يعضد ذلك أن الإلجاء لا يسلب قدرة الملجأ باتفاق أرباب الألباب، ومن حكم القدر على الشيء عند المعتزلة أن يكون قادرًا على ضده، فإذا لم يناف القهر والقسر القدرة وتعلقها، فما المانع مع اختيار الملجأ ضد ما ألجئ إليه، وهذا لا مخلص منه.

على أنا نقول: إنما أراد الله من العباد، عندكم، أن يطيعوه مختارين، مستحقين الثواب غير مضطرين، ولو اضطروا لما كان البادر منهم طاعة، بل كان من أقبح القبائح. فالذي زعمتم أنه مقدور الله، وهو إلجاء غير مراد له، وما هو مراد له، هو وقوع الطاعة اختيارًا، لا يتصف بالقدرة على تحصيله.

ثم لم يدل ذلك عندكم على نقض، فقولوا على طرد ذلك: لا ينقذ مراد أحد القديمين، ولا يدل ذلك على نقض، وهذا ما لا مدفع له. فإلى الله عز وجل الابتهال في أن يجنبنا مذهبًا يورطنا في إبطال دلالة التمانع، وهي حجاج الله تعالى على خلقه في محكم كتابه.

ومما يصدهم عن دلالة التمانع قولهم بوجوب بماثل القديمين، ذلك أنهم زعموا أن القدم أخص وصف القديم، والمشتر كان في الأخص يجب تماثلهما في سائر صفات النفس، ومنه زاغوا، فنقوا صفات الرب، تعالى عن قول الزائغين. فإذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت