فإن قيل: فكيف يتحقق مقدور ولا يجوز وقوعه؟
قلنا: كل ما امتنع فيه الوقوع لنقص في القدرة، أو لوصف في المقدور، فهو يناقض كونه مقدورًا، وكل ما رجع الامتناع فيه إلى وصف آخر، فلا يناقض كونه مقدورًا على الجملة.
فإن قالوا: فنحن نقول في الظلم ما قلتموه في خلاف المعلوم.
قلنا: لا نشهر لكم ذلك، فإنا إذا قدرنا الوقوع في الشيء، قدرناه معلوما، وليس في تقديره معلومًا تغيير صفته، وتبديل خلافه؛ إذ لا وصف للمعلوم بكونه معلومًا راجع إلى ذاته، وأنتم أضفتم منع وقوع الظلم إلى جنسه. ولو قدر واقعًا؛ للزم قلب جنسه. فقد أوضحنا افتراقانا، وسنشبع في ذلك قولا إن شاء الله.
ومما يصدهم عن الدلالة التمانع أن أقصى ما تفضي إليه قضية التمانع أن يريد أحد القديمين فلا يتم مراده، فيستدل بذلك على نقص من لم ينفذ مراده. وكيف تطمع المعتزلة في التعلق بذلك مع مصيرهم إلى أن معظم يجري على العباد على خلاف إرادة الله، وهذا ما لا حيلة لهم في دفعه.
فمما راموا به انفصالا أن قالوا: الرب تعالى عندنا قادر على أن يضطر الخلق إلى الطاعة، ويلجئهم إليها كرها، فلم يلزمنا تعجيز الإله ووصفه بالنقص.
وهذا الذي قالوه تحويراتهم التي يستزلون بها الهمج والرعاع. وسبيل الكشف فيه أن نقول: هذا الاضطرار الذي أطقتموه، أعنيتم به خلق الطاعة فيهم، أم عنيتم به تخويفهم بالمعاطب والمهالك، وإظهار الفظيع من الآيات؟
فإن عنيتم بالاضطرار خلق الطاعة، لم يستقم. فإن المطيع عندكم من فعل الطاعة، فلو خلق الله الطاعة لكان هو المطيع، وهو إنما يريد طاعة العبد، وليس في خلق الطاعة تخصيا ....