أن نجوز ذلك ولا نمنعه.
فإذا قالوا: في تجويز ذلك إبطال دلالة الإحكام والاتقان على العلم.
فنقول: هذا غير لازم، فإن محكم الأفعال هو الله، والإحكام إنما يدل على علم المخترع دون المكتسب. والأفعال المحكمة، وإن وقعت غير معلمة لمكتسبيها، فقد وقعت معلومة لمخترعها ومنشئها، فاندفع هذا السؤال، واكتفينا فيه على ما يقع به الانفصال، وسنبسط القول في القدر.
وأما خلاف المعلوم، فلا معنى لتخصيصهم إيانا بإلزامه، فإنهم ملتزمون عين ما ألزمونا، فقد استوى العدمان فيه، وبقيت عليهم الطلبة في الظلم.
ثم نقول: المعنى بقولنا إن خلاف المعلوم مقدور، أنه لا يمتنع كونه لمعنى يرجع إلى جنسه، ولا يمتنع لنقض في تعلق القدرة، وما يخرج عن المقدور، إنما يخرج عنه إما لنقص في القدرة، وإما لصفة راجعة إلى جنس المقدور. وإيضاح ذلك بالمثال: أن الأجسام والألوان ليست بمقدورة لنا لصفات هي عليها في أنقسها. وإذا قدر القدر على حركة؛ فلا يقدر بعينها على مثلها على تفصيل فيه طويل، وإذا قدر القدرة. فأما خلاف معلوم الله؛ فلا يمتنع كونه مقدورًا لجنسه، ولا يمتنع كونه مقدورًا لنقص في تعلق القدرة، فلم يمتنع وقوعه، لأمر يختص بقضية القدرة.
فلو قال قائل: فهل يجوز وقوعه؟
قلنا: إنما يجوز وقوعه على تقدير كونه معلوما الله تعالى، فأما إن تقدر وقوعه غير معلوم الله، فهو من أمحل المحال، ولا يجوز وقوعه كذلك، فيدل جواز وقوعه على انقلاب العلم، وهذا واضح لا خفاء به.