فإن قال قائل: هذا الذي قلتموه صحيح، غير أنه باطل على موجب أصلكم، وذلك أنكم قلتم: لا تتعاق قدرة القادر المحادث إلا بفعل في محل قدرته، ونفيتم التولد. ونحن نعلم أن القادرين المحدثين قد يمانعان، وقد يمنع أحدهما الثاني، بأن يقف في جهة مخصوصة، فيكون وقوفه فيها منعا لصاحبه م التحرك في تلك الجهة، فقد تصور التمانع، مع أنهما لا يجتمعان على فعلين مقدورين لهما في محل واحد.
قلنا: لا تمانع إلا في المحل الواحد. ولذلك قال أئمتنا: لا يتصور التمانع بين المحدثين، ولا يتصور من أحدهما منع الثاني، فقد وضح أن الذي ادعاه السائل ممنوع عندنا. وأما الذي تمثل به من وقوف الواقف في الجهة، ومنعه صاحبه من الحركة فيها فساقط، فإن القدرة عندنا تقارن المقدور، ولا قدرة للذي لا يتحرك في تلك الجهة على الحركة. ولو خلق الله له القدرة، لخلق الحركة معها، فوضح اندفاع السؤال، واستقصاؤه يتشبث بالتولد.
الأصل الثالث من أصول الدلالة: أن يعلم أن ما رمناه من تقدير التمانع يتوقف تجويزه على تصوير تناقض الإرادتين القائمتين بالمريدين، ولا يتحقق تقدير التمانع دون ذلك. وبيانه أنا لو صورنا من أحد القديمين تحريك جسم، ولم نتصور من الثاني القصد إلى تسكينه في وقت تحريكه، لما كان ممنوعا. فإن أحدهما إذا أراد التحريك، والثاني وافقت فيما أراد، ولم يكرهه، او ذهل عند، ولم يحاول الحركة ولا ضدها، فلا يسمى ممنوعًا. وإنما الممنوع من يردي الشيء ويقصده، فيصد عن مراده ويحال بينه وبين مقصودة، وهذا وضح لا خفاء به، ولأجل ذلك يبعد تسمية الميت والجماد ممنوع، من حيث لم يتحقق منه قصد وصد وصدهم بالشيء ثم رد، وهذا واضح في جنبة المنوع.
وقد قال الأئمة رضي الله عنهم: كما تتوقف الممنوع على إرادته،