قيام المماسة بالجوهر الفرد، فقد وضح مخالفة حكم الاجتماع حكم الانفراد، مع أنه لا يثبت الحكم عند الاجتماع إلا المعنى بذات الجوهر على الاختصاص.
وهذا الذي ذكروه مردود من وجهين: أحدهما: أنا نعلم ببديهة العقل استحالة ثبوت المماسة من أحد الطريقين. ونعلم اضطرارًا أن ما ماسّ شيئًا فقد ماسّه ذلك الشيء، وليس كذلك المريدان المتصفان بالإرادتين، فإنه ليس من ضرورة إرادة أحدهما الشيء أن يريد الثاني ذلك الشيء. فقد وضح الفصل بين المسألتين قبل أن نخوض في تحقيق النظر. وإنما ذلك لمعنى وهو أن الشيء المتعلق بغيره إنما يرتبط بمتعلقه. وإذا أراد أحد المريدين مرادًا، فإنما متعلق إرادة مراده لا المريد الثاني، والتماس يتعلق بالمتماسين.
ثم نقول: لم تلزمونا أمرًا معنويًا وإنما تشبثتم بنعت. وذلك أن أهل التحقيق قالوا: إذا تماس الجوهران؛ فقد قام بكل واحد منهما كون يخصصه بحيزه وليس لواحد منهما حكم من كون الثاني، فلو عدم أحد الجوهرين واستقر الثاني في حيزهن وتتابعت عليه الأكوان حالا على حال، فالكون الذي طرأ عليه بعد عدم المماسة، مثل الكون الذي قام به عند التماس؛ فقد قام به عند الانفراد، ما قام به عند الاجتماع، بين أنه لا يسمى مماسة. فوضح بذلك رجوع ما ألزموه إلى التسميات. وفي الفصل بقايا نتشاجر فيما مع المعتزلة، سنكر ها عند ذكرنا مطاعننا عليهم ومطاعنهم. فهذا أحد الأصول.
والأصل الثاني: أن يعلموا أن ما نبتغيه من التمانع، إنما يستقيم عند فرض الكلام في المحل الواحد، إذا غرضنا تصوير منع أحدهما الثاني مع اتحاد المحل، فإنه إذا بطل في المحل الواحد نفوذ المرادين للتضاد المعلوم بطلانه ضرورة، واتحال انتفاء الماردين للعلم باستحالة خلو المحل عن الضدين، لم يبق بعد ذلك إلا منع أحدهما الثاني. ولو ضنا الكلام في محلين، لنفذ الماردان من غير استحالة، ولم يؤد ذلك إلى تمانع أصلا.