فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 322

فإن قالوا: من كمل عقله فلا بد أن يحصل له ما قلناه. قلنا لهم: هذا تدليس منكم. فإن الخواطر لا تخلو: إما أن تكون مقدورة للناظر؛ أو تقع ضرورية فإن كانت مقدورة، فمن حكم القادر على أصول المعتزلة أن يتخير لإيجاد مقدوره والانكفاف عنه. فإذًا تعين إيجاده لخاطريه، وهذا لا محيص لهم عنه.

وإن زعموا أن الخواطر تقع ضرورية، كان ذلك ساقطًا من أوجه: أحدها: أن ما ذكروه بهت صريح. فإنا نجد في مجاري العادات طوائف من العقلاء غافلين عن هذه الخواطر. ومن إدعي أن كل من غفل قارن أول غفلة اعتراض الخواطر ضرورة، فقد اعدى ما يكذبه كافة العقلاء فيه، وهذا لا خفاء به.

والذي يوضح ذلك أن الخاطرين يرجعان إلى التشكك، والتشكك من أضداد المعرفة بالله، وقد أطبقت المعتزلة على منع وقوع معرفة الله ضرورة، فكيف يستجيز وقوع الشك في الله ضرورة من فعل الله، من يمنع وقوع المعرفة كذلك.

ومن أعظم أصول القوم في القدر: إن الرب تعالى يخلق الكفر. فالشك في الله كفر به، فكيف يهدمون معظم أصولهم في القدر ببهت صريح. فاتضح بما قلناه: فساد ادعاء الضرورة في الخواطر.

ومما نقرره أيضًا أن ذا الخاطر يعلم من نفسه اقتداره على خواطره في ترديده إياها في المذاهب التي يبتغيها، كما يعلم كل قادر من نفسه حال القادرين. ولما ضاقت مسالكهم فيما ألزموا قالوا: يبعث الله تعالى إلى كل غافل في أول غفلة ملكا ينذره ويلقي في روعه تردد الخواطر. وهذه جهالة منهم عظيمة. وأول شيء يبطلها أن كل غافل في أول حاله لا يجد ذلك من نفسه، وإن خطر له ذلك، فلا يكون إلا بعد أن تحنكه التجارب. فأما أن يدعى ذلك في أول حالة حالة التميز، فالأغلب على العقلاء خلافه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت