بالخلافين نقيض ذلك. أ فتزعمون أن البياض والسواد يسد أحدهما مسد الثاني، أم لا يسد مسده؟
فإن قلتم: إن أحدهما لا يسد مسد الثاني، فقد وافقتمونا في المعنى الذي أردناه بالاختلاف، ورجعت المناقشة إلى اطلاق لفظة أو منعها. وإطلاق الألفاظ مدركه اللفات. ونحن نعلم أن من قال: السراد يخالف البياض، لم ينكر عليه مقاله في تجاوز أهل اللسان، فقد ثبت من مأخذ اللغات ما قلناه لغة، وثبت الوفاق في المعنى، وسقط وجوه الخلاف.
وإن زعم الخصم: أن السواد يسد مسد البياض، فقد أنكر ضرورة العقل. وإن زعم أنه لا يقال أن أحدهما يسد مسد الآخر أو لا يسد مسده، كان ذلك مراغمة للبديهة أيضًا؛ إذ كل شيئين لا يخلوان من أن يسد أحدهما مسد الثاني أو لا يسد مسده، وليس بين النفي والإثبات رتبة. وكل قسمة استندت إلى إثبات صفة نفيها، فمنكر القسمين جاحد للضرورة. فهذا أقوى ما نتمك به.
واعتصم بعض أئمتنا بنكتة أخرى فقال: إذا زعم الخصم أن البياضين في أنهما لا يتماثلان ولا يختلفان كالسواد مع البياض، فينبغي أن يثبت من قيام البياضين للجوهرين ما يثبت لهما من قيام البياض والسواد. وهذا ما لا مخلص للخصم منه إلا أن يقول: البياض مع السواد اختلفا، فأوجبا اختلاف محليهما، وليس كذلك البياض مع البياض. ومنها قال الخصم ذلك، فقد صرح بإثبات الاختلاف بين الأعراض.
وقد أشار القاضي-رضي الله عنه-إلى طرق في الرد على هؤلاء ذكرها