كما لا يرفع تخريج مسلم لحديث ما الخلاف فيه إذا كان فيه خلاف سابق بل تبقى القضية اجتهادية ينظر فيها إلى قول كل طرف ويحكم فيها بحسب الأدلة لا بحسب التقليد فليس أبو حاتم ومن معه بأقل من مسلم في هذا الفن، فإذا قال عن سهيل (لا يحتج به) واحتج به مسلم وجب النظر إلى قوله بعين الاعتبار حتى يحكم الدليل بينهما.
المبحث الثاني: النصوص المعارضة ظاهريا لحديث سهيل:
وحديث سهيل هذا يعارض ظاهره أحاديث عامة بإفشاء السلام أصح منه إسنادا وأصرح معنى فمنها:
1 ـ حديث البراء في الصحيحين (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ... وإفشاء السلام) . ( [59] )
2 ـ حديث عبد الله بن سلام وكان أول شيء قاله النبي صلى الله عليه وسلم أول يوم دخل فيه المدينة (يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) . ( [60] )
3 ـ حديث عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير؟ قال (تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) . ( [61] )
وهذه الأحاديث المشهورة الصحيحة كلها تفيد العموم وهي موافقة لظاهر القرآن تمام الموافقة كما في قوله تعالى في شأن المشركين (سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين) ( [62] ) ، وقوله (فاصفح عنهم وقل سلام) ( [63] ) قال ابن جرير الطبري أي ( ..(سلام عليكم) ورفع سلام بضمير عليكم أو لكم) ( [64] ) .
وفي حديث سهيل تخصيص لعموم هذه النصوص الظاهرة في دلالتها على العموم والشمول، وليس يقوى على تخصيصها إلا نص صحيح ظاهر الدلالة على التخصيص ـ بل إن حديث سهيل ليس مخصصا فقط بل هو ناسخ لحكم الآيات القرآنية الدالة على جواز ابتداء المشركين بالسلام حال الصفح عنهم، حيث رفع حديث سهيل هذا الحكم بالكلية ومنع من ابتداء المشركين وأهل الكتاب بالسلام، وهو حجة من قالوا بالمنع وادعوا النسخ وليس لهم دليل غيره!!