وقد نقل ابن جرير الطبري إجماع السلف على أن تغيير الشيب ليس واجبًا بل هو مستحب عند من قال به، كما أن صبغ الشعر والشيب - بما في ذلك الصبغ بالسواد - ليس محرمًا عند من كرهه: (لإجماع سلف الأمة وخلفها على أن النهي عن ذلك لو كان على وجه التحريم، أو لو كان الأمر - فيما أمر به من ذلك - على وجه الإيجاب، لكان تاركو التغيير قد أنكروا على المغيِّرين، أو كان المغيِّرون قد أنكروا على تاركي التغيير، ولكن الأمر كان في ذلك كالذي وصفت، فلذلك ترك بعضهم النكير على بعض) ( [143] ) . وكذلك قال ابن الجوزي، فقد قال: (اعلم أنه خضب جماعة من الصحابة بالسواد، وخلق كثير من التابعين، وإنما كرهه قوم لما فيه من التدليس، فأما أن يرتقي إلى التحريم - إذ لم يدلس - فيجب فيه هذا الوعيد، فلم يقل بذلك أحد) ( [144] ) .
واختاره ابن القيم حيث قال: (الخضاب بالسواد المنهي عنه خضاب التدليس؛ كخضاب شعر الجارية، والمرأة الكبيرة تغر الزوج، والشيخ يغر المرأة بذلك، فإنه من الغش والخداع، فأما إذا لم يتضمن تدليسًا ولا خداعًا فقد صح عن الحسن والحسين -رضي الله عنهما - أنهما كانا يخضبان بالسواد. ذكر ذلك ابن جرير عنهما في كتاب(تهذيب الآثار) ، وذكره عن عثمان بن عفان، وعبدالله بن جعفر، وسعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبدالله، وعمرو بن العاص، وحكاه عن جماعة من التابعين منهم: عمرو بن عثمان، وعلي بن عبدالله بن عباس، وأبو سلمة بن عبدالرحمن، وعبدالرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهري، وأيوب، وإسماعيلبن معد كرب. . .) ( [145] ) .يوب
· وكل ما سبق ذكره من الأحاديث والآثار إنما هي في الرجال، ولم يأت شيء منها في شأن النساء، إلا ما جاء عن عائشة - رضي الله عنها - أنها سُئلت عن تسويد المرأة شعرها، فقالت: (وددت أن عندي شيئًا أسوِّد به شعري) ( [146] ) .
وكذا جاء عن قتادة قال: (رُخِّص في صباغ الشعر بالسواد للنساء) ( [147] ) .