وهذا الأثر الصحيح، وإن كان مقطوعًا موقوفًا على قتادة من قوله لم يرفعه، إلا أنه يحتمل أن يكون له حكم الرفع، فإن لفظ (رُخِّص) مبني للمجهول، وفعل لما لم يسم فاعله، فيحتمل أنَّ من رخص بذلك هم الصحابة، أو النبي صلى الله عليه وسلم، ويرجح الثاني كون الرخصة حكمًا شرعيًا، وهذا مثل قول: (أُمر بكذا) ، و (نُهي عن كذا) ، إذا صدر عن التابعي، فقد قيل: هو مرسل مرفوع.
وقيل: بل موقوف على الصحابة ( [148] ) .
وعلى كلٍّ، فأثر عائشة، وهذا الأثر عن قتادة، كافيان في إثبات جواز الصبغ بالسواد للنساء، إذ لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم - أصلًا - ولا أصحابه ما يخالف ما جاء عن عائشة وقتادة في شأن النساء. وإذا ثبت عدم صحة أحاديث النهي عن السواد في حق الرجال، ورجحان أحاديث إباحة الصبغ مطلقًا عليها، فالنساء من باب أولى؛ إذ دخولهن في الحكم - عند من يقول بكراهة الصبغ بالسواد للرجال والنساء على حد سواء - إنما هو بالتبع لا أصالة، إذ المخاطب في الأحاديث هم الرجال. ولهذا فرق بعض من قالوا بالكراهة بين الرجال والنساء، فأجازوا لهن الصبغ بالسواد دون الرجال ( [149] ) . والله أعلم.
المصادر والمراجع
· الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، ابن بلبان، تحقيق الأرنؤوط ط 1 سنة 1408 هـ، الرسالة - بيروت.
· الإصابة، ابن حجر، ط 1، سنة 1328 هـ، السعادة - مصر.
· تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، تصوير دار الكتب العلمية - بيروت.
· تعريف أهل التقديس، ابن حجر، تحقيق أحمد علي، ط 1، سنة 1413 هـ، الرياض.
· التقريب، ابن حجر، تحقيق محمد عوامة، ط 3، سنة 1411 هـ، الرشيد - سوريا.
· التمهيد، ابن عبدالبر، تحقيق جماعة، ط 2، سنة 1402 هـ، الأوقاف المغربية.
· تهذيب التهذيب، ابن حجر، ط 1 سنة 1321 هـ، دائرة المعارف العثمانية - الهند.
· تهذيب السيرة النبوية، ابن هشام، تحقيق جماعة، ط 2، سنة 1375 هـ، البابي - مصر.