فإذا حقق الباحث النظر وجد أن مشابهة الأرز والسلت والدخن والذرة والعلس للبر والشعير مشابهة تامة إلى حد القطع بانتفاء الفارق المؤثر، والمعنى الذي من أجله شرع الحكم في البر والشعير متحقق فيها، فهذه الحبوب هي أقوات العالم الضرورية فعليها تقتات شعوب الأرض كلها، وهي مشابهة للبر والشعير زرعًا وحبًا واستخدامًا، صورة ومعنى، مشابهة تامة تمنع من التفريق بينها في الحكم، سواء قلنا أن هذا هو القياس الجلي الذي قال عنه ابن القيم: (أو تكون الصورة المحرمة بالقياس مساوية من كل وجه للمنصوص على تحريمها) ، أو قلنا إنه مفهوم الموافقة الذي يقول عنه ابن رشد: (فمثال القياس إلحاق شارب الخمر بالقاذف في الحد، والصداق بالنصاب في القطع، وأما إلحاق الربويات بالمقتات أو بالكيل أو بالمطعوم فمن باب الخاص أريد به العام، والجنس الأول هو الذي ينبغي للظاهرية أن تنازع فيه، وأما الثاني فليس ينبغي لها أن تنازع فيه لأنه من باب السمع) .
وما ذكره ابن رشد هو الفهم الدقيق لهذه القضية، إلا أنه كان بصدد الرد على نفاة القياس وتبرير تعليلات القياسيين، وإنما يكفينا من قوله إن إلحاق غير هذه الستة بها لا يشترط أن يكون بالقياس بل ذهب إلى أنه ليس منه، وأن ذلك مما يلتبس على الفقهاء، وإنما هو من باب المفهوم الذي نبه عليه النص، وهذا لا يكون باستخراج العلة وطردها في كل فرع كما ذهب إليه القياسيون هنا، وإنما يكون بالتحقق من انتفاء الفارق بين الأصل والفرع فيكون للمسكوت عنه حكم المنطوق به لما بينهما من تشابه وتماثل.