كما يجد في المقابل من تكلف استخراج علة للحكم، ومن ثم طرد الحكم في كل فرع تحققت فيه هذه العلة الخفية، حتى أفضى به الأمر إلى الاضطراب، وإلى المساواة بين أصناف أخرى، يظهر للباحث أنه لا تشابه بينها، كما لا تتحقق المصلحة والحكمة التي من أجلها شرع الحكم في الأصل، فمن قاس الحناء على البر بجامع الكيل، أو الخشب على الذهب بجامع الوزن، أو قاس السقمونيا وما شابهها من الأدوية على البر بجامع الطعم، فقد جمع بين المختلفات بدعوى بلا برهان، حتى قال ابن قدامة: (وما وجد فيه الطعم وحده أو الكيل أو الوزن وحده من جنس واحد ففيه روايتان، واختلف أهل العلم فيه، والأولى إن شاء الله تعالى حله إذ ليس في تحريمه دليل موثوق به ولا معنى يقوي التمسك به، وهي مع ضعفها يعارض بعضها بعضًا فوجب اطراحها أو الجمع بينها والرجوع إلى أصل الحل الذي يقتضيه الكتاب والسنة والاعتبار) [94] .
وقد نص الشارع على هذه الأصناف الستة، وتواتر النص عنه عليها، وفي القول بأن المراد كل مكيل أو موزون أو مطعوم إهدار لمدلولات هذه الألفاظ، وصار لا فرق بين أن ينص الشارع عليها في مواطن كثيرة بلا زيادة أو نقص، وبين قولهم المراد كل مكيل أو موزون أو مطعوم، وصار ذكرها وعدم ذكرها سواء على قول من يقول بذلك.
كما في نص الشارع على الذهب والفضة دون سواها، وتواتر ذلك عنه دليل على اختصاصها بمعان دون غيرها، وإلا لذكر معها ولو مرة واحدة غيرها من المعادن التي هي أكثر استعمالًا وشيوعًا مثل الحديد والنحاس، أو أندر شيوعًا وأغلى ثمنًا مثل الأحجار الكريمة ونحوها، فلما لم يكن شيء من ذلك دل ذلك على اختصاصها بالحكم لمعنى في نفسها وهو كونها نقدًا وثمنًا للأشياء ولم يكن عندهم نقد سواها، فمن قال بأن المراد كل ما يوزن لمجرد كونها مما يوزن فقد أهدر مدلولات الألفاظ، وصار ذكر الذهب والفضة عنده وذكر غيرها سواء فأفضت هذه التعليلات إلى إهدار مدلولات الألفاظ بلا دليل.