وقال ابن القيم: (أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما، فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدًا، فإن ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النساء، والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها، وأيضًا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة فهو طرد محض، بخلاف التعليل بالثمنية فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي يعرف به تقويم الأموال فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا) [41] .
(ج) إن استدلالهم بعموم بعض الألفاظ الواردة في بعض الأحاديث غير مسلم لهم فيه، حيث ثبت أن ذلك من تصرف بعض الرواة الذين قصدوا الاختصار فأوهمت ألفاظهم العموم، وعلى فرض ثبوت هذه الألفاظ فإنها تحمل على أن المراد من ذلك القرض فإنه يحرم فيه مطلقًا الصاع بالصاعين.
وعلى فرض صحة الاستدلال بهذا العموم فإنه يلزم منه تحريم الصاع بالصاعين وإن اختلفت الأجناس وهم لا يقولون بذلك.
قال ابن حزم: (وأما حديث:(( لا يصلح صاعين بصاع ) )فإنهم قالوا هذا عموم لكل مكيل. قال أبو محمد: وهذا خبر اختصره معمر [42] عن يحيى بن أبي كثير أو وهم فيه بيقين لا إشكال فيه ... لأن هذا خبر رواه عن يحيى بن أبي كثير بإسناده: الأوزاعي [43] ، وهشام الدستوائي [44] ، وشيبان بن فروخ [45] ... كلهم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا صاعي تمر بصاع، ولا صاعي حنطة بصاع، ولا درهمين بدرهم) .
قال أبو محمد: فأسقط معمر [46] ذكر التمر والحنطة.
ثم لو صح لهم لفظ ابن أبي زائدة [47] ومعمر بلا زيادة من غيرهما ولا بيان من سواهما لما كان لهم فيه حجة لوجهين:
أحدهما: أنه ليس فيه ذكر جنس واحد ولا جنسين أصلًا، وهم يجيزون صاعي حنطة بصاع تمر وبكل ما ليس من جنس واحد، وهذا خلاف عموم الخبر.