قال الموصلي: (ولأن الحكم متعلق بالكيل والوزن إما إجماعًا، أو لأن التساوي حقيقة لا يعرف إلا بهما، وجعل العلة ما هو متعلق الحكم إجماعًا أو معرف للتساوي حقيقة أولى من المصير إلى ما اختلفوا فيه ولا يعرف به التساوي حقيقة، ولأن التساوي والمماثلة شرط لقوله عليه الصلاة والسلام:(( مثلًا بمثل ) )وفي بعض الروايات (( سواءً بسواء ) )أو صيانة لأموال الناس، والمماثلة بالصورة أو المعنى أتم وذلك فيما قلناه، لأن الكيل والوزن يوجب المماثلة صورة، والجنسية توجبها معنى فكان أولى) [37] .
مناقشة الفقهاء الآخرين أدلة هذا الرأي:
(أ) إن ذكر الوزن والكيل في الأحاديث مثل (وزنًا بوزن) و (كيلًا بكيل) ونحوها إنما ذكرت لبيان ما يتحصل به التساوي في هذه الأصناف المنصوص عليها ليس إلا كما قال: (( مثلًا بمثل سواءً بسواء ) )ولا مدخل للعلية في ذكرها [38] .
ولا فرق بين هذا وبين من قال لم ينص إلا على مأكول أو ثمن، أو من قال لم ينص إلا على مطعوم أو مقتات ومدخر ومعدني وما يصلح به الطعام، أو من قال لم ينص إلا عل ما يزكى وعلى مالح الطعم فقط، فليس بعض هذه الدعاوى أولى من بعض [39] .
(ب) كما إن ذكر الوزن والكيل وصف طردي ليس في التعليل به مناسبة، كما أنه انتقض في بعض صوره دون وجود فرق مؤثر، فدل على أنه لا يصلح التعليل به وذلك في إجماعهم على جواز السلم في الموزونات من الحديد ونحوها ولو كان له أثر لحرم إلا يدًا بيد.
قال البغوي: (والدليل على أن الوزن لا يجوز أن يكون علة اتفاق أهل العلم على أنه يجوز إسلام الدراهم والدنانير في غيرهما من الموزونات، ولو كان الوزن علة لكان لا يجوز، لأن كل مالين اجتمعا في علة الربا لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر) [40] .