فهذا الحديث محفوظ عن أبي هريرة، وله شواهد في تغيير الشيب مطلقًا بلا استثناء؛ كحديث عائشة مرفوعًا: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود» ( [116] ) . وكان أبو سلمة بن عبدالرحمن - راوي الحديث عن أبي هريرة - يصبغ بالسواد. وكذا الزهري وهو راويه عن أبي سلمة، وكذا نافع بن جبير المدني ( [117] ) . وهؤلاء هم علماء المدينة، فلو كان الاستثناء ثابتًا عندهم عن أبي هريرة أو جابر أو أسماء - وكلهم من أهل المدينة - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - لما فاتهم، ولما خالفوه. وقد قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (تمسك به [أي حديث الأمر بتغيير الشيب مطلقًا] من أجاز الخضاب بالسواد، وقد تقدمت مسألة استثناء الخضاب بالسواد لحديثي جابر وابن عباس) ( [118] ) . وقد ثبت عدم صحة حديث ابن عباس وأنه حديث منكر، كما ثبت عدم صحة الزيادة الواردة في حديث جابر في صحيح مسلم، وأن الصحيح عنه بدونها، فلم يبق ما يمكن الاحتجاج به، اللهم إلا بعض الأحاديث المرسلة والمعضلة كحديث:
1 -عمرو بن شعيب، أن عمرو بن العاص حدّث؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهى عن خضاب السواد» ( [119] ) .
وإسناده ضعيف، فإنه من رواية المثنى بن الصبَّاح، وهو ضعيف اختلط بأخرة، كما قال عنه الحافظ ابن حجر ( [120] ) .
كما أنه منقطع بل معضل؛ إذ عمرو بن شعيب لم يسمع من جد جده عمروبن العاص، وإنما يروي عن أبيه عن جده عن عبدالله بن عمرو بن العاص. وقد قال أبو زرعة الرازي: (عامة المناكير التي تروى عنه إنما هي عن المثنى بن الصبَّاح، وابن لَهِيعة، والضعفاء. . .) ( [121] ) .
فهذا الحديث من مناكير ابن الصبَّاح عنه، فلا يفرح به.