وقد نقلت في كتاب (الحرية أو الطوفان) من أقوال مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم ما يشير إلى أنهم يرون جواز الخروج على أئمة الجور حتى قال مالك (إنما يقاتل مع الإمام العدل سواء كان الأول أو الخارج عليه، هؤلاء ـ أي أئمة الجور الذين يغتصبون الإمامة بلا شورى ـ لا بيعة لهم إذا كان بويع لهم على الخوف) ، وما قاله مالك هو عين قول عمر بن الخطاب حين قال (من تأمر عن غير مشورة من المسلمين ـ أي بلا رضاهم واختيارهم ـ فاضربوا عنقه) قال الحافظ ابن حجر (رواه ابن سعد بإسناد صحيح) وهو على شرط الشيخين، وقد نقل الشيخ عبدالرحمن المعلمي في كتابه التنكيل الخلاف في هذه القضية بين أهل السنة وحقق القول الراجح وأن الأمر منوط بالمصلحة والمفسدة ومع ذلك جعل الشيخ الناقد هذه القضية الخلافية أصلا يحاكم الكتاب إليها مع أنها هي الدعوى التي وقع الخلاف والنزاع فيها منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم، فلا يحتج بها على المخالف بدعوى أنها أصل من أصول أهل السنة والجماعة مع ثبوت الخلاف فيها بين سلف الأمة وأهل السنة أنفسهم كما نقلناه عنهم فهذا مخالف لقواعد الجدل والمناظرة، ولا يجدي نفعا نقل دعاوى الإجماع عليها إذا ثبت الخلاف فيها، وقول عمر ومالك أولى من قول من قال بأن من اغتصب الإمامة والخلافة بالقوة وجبت طاعته وحرم الخروج عليه وقول من قال نحن مع من غلب، وهنا يتجلى الفرق بين الخطاب الراشدي الذي أجمع عليه الصحابة في عهد عمر قبل الفتنة والاختلاف من وجوب قتل من اغتصب الإمامة بالقوة وأنه لا يحل للأمة تركه دع عنك طاعته، والخطاب المؤول الذي طرأ بعد ذلك والذي أوجب السمع والطاعة للغاصب الجائر والدعاء له والقتال معه!