وقال رشيد رضا (إن النصوص والمسائل التي تتعلق بالتشبه وعللها وحكمها، تختلف باختلاف المنافع والمضار والمقاصد. وقد ألف ابن تيمية فيها كتابًا كبيرًا سماه:(اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) توسع فيه ببحث مشاركة المسلمين لغيرهم في أعيادهم، وشدد في ذلك بالدليل والبرهان، وناهيك بسعة اطلاعه ودقة فهمه، ومع هذا يمكن أن يزاد ويستدرك عليه، ولكن لكل مقام مقالا، ولكل زمن مصالح وأحوالا، وما يعقلها إلا العالمون المستقلون، وإن من موانع العقل والفهم أن تجعل المسألة دينية تعبدية، وما هي إلا من المصالح الاجتماعية السياسية، فلا نجمد فيها جمود بعض المغاربة الذين تحرجوا من زيّ الجند الأوربي الذي يتوقف على مثله إتقان الحركات والأعمال العسكرية التي تعد من أعظم أسباب تفوق جند على جند، ولا نغلو غلو بعض المشارقة الذين يقلدون الأوربيين في كل زي تقليدا أعمى من غير حاجة إليه، كالحازقين الذين يلبسون الثياب الضيقة الضاغطة التي تعوقهم عن العبادة والحركة، ولا هي من أسباب الصحة ولا الراحة في بلادهم الحارة، بل نتأمل فيما عند غيرنا من أمثال هذه المستحدثات الدنيوية، فما وجدناه ضارا بأجسادنا أو بثروتنا أو بآدابنا اجتنبناه ألبتة، ونجتنب أيضا ما لا يضر ولا ينفع، وما كان ضره أكبر من نفعه، وأما ما وجدناه نافعا نفعا لا ضرر معه، أو معه ضرر قليل، يزيد عليه ضرر تركه وإهماله، فإننا نقتبسه لا بقصد التشبه والتقليد، بل بقصد النفع الذي ثبت عندنا، كما فعل النبي- صلى الله عليه وسلم - في اقتباس حفر الخندق من الفرس، ونجتهد مع هذا في جعله أحسن مما عليه غيرنا أو مخالفا له نوعا ما من المخالفة التي تكون عنوان استقلالنا وتميزنا، وسدا دون فنائنا في غيرنا من الأمم). [94]
القضية الثالثة: الفرق بين ما كان مشروعا لهم في الأصل وما ليس مشروعا من العبادات والعادات: