وقد قال المحقق المعلمي:"إذا استنكر الأئمة المحققون المتن، وكان ظاهر السند الصحة، فإنهم يتطلبون له علة؛ فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقًا، حيث وقعت، أعلوه بعلة ليست قادحة مطلقًا، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذلك المنكر، فمن ذلك إعلاله بأن راويه لم يصرح بالسماع، هذا مع أن الراوي غير مدلس) ( [38] ) . ثم ذكر أمثلة من تصرف البخاري وابن المديني وأبي حاتم في الإعلال بعدم التصريح بالسماع، مع أن الراوي لم يعرف بالتدليس."
فكيف إذا كان الراوي قد وُصم بالتدليس كالجزري وإن لم يذكر في المدلسين؛ إذ لم يشتهر به ولم يكثر منه.
وعلى كل حال، فإن العنعنة في حديث منكر نحو هذا الحديث توهن من قوته، على فرض أنه ليس في رجاله مدلس؛ إذ عدها بعض أهل الحديث من قبيل المنقطع، وإن كان الجمهور على خلاف ( [39] ) .
5 -أن أيوب السختياني سأل سعيد بن جبير عن صبغ اللحية بالوسمة، فقال:"يعمد أحدكم إلى نور جعله الله في وجهه فيطفئه".
رواه عبدالرزاق قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، قال: سمعت سعيد بن جبير ( [40] ) .
وهذا إسناد مسلسل بالأئمة الحفاظ الأثبات، فلو كان الحديث الذي رواه عبدالكريم عن سعيد بن جبير محفوظًا عن ابن جبير، لما عدل سعيد عن الاحتجاج به - حين سأله أيوب عن صبغ اللحية بالسواد - إلى قوله:"يعمد أحدكم إلى نور .."، ولذكر له حديث: «يكون قوم آخر الزمان .. » ؛ لما فيه من الوعيد الشديد الدال على حرمة هذا الفعل، وأنه من الكبائر.
وقد رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن حماد بن زيد، عن أيوب، سمعت سعيد بن جبير وسئل عن الخضاب بالوسمة فكرهه، فقال: يكسو الله العبد في وجهه النور ثم يطفئه بالسواد ( [41] ) .
6 -أن محمد بن الحنفية سئل عن الخضاب بالوسمة فقال:"هي خضابنا أهل البيت". وكان هو يختضب بالسواد ( [42] ) .
وبعيد أن يروى ذلك عن أهل البيت - وابن عباس فقيههم - لو كان حديث عبدالكريم عن سعيد عن ابن عباس محفوظًا عنه.