فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 498

وقد تصدى شيخ الإسلام ابن تيمية لظاهرة التشبه بأهل الكتاب التي استشرت في عصره، وقد كانت عنايته بهذا الأصل كبيرة لما ابتلي به المسلمون في عصره من ضياع الهوية وذوبان الشخصية الإسلامية، بعد سقوط العالم الإسلامي تحت سيطرة المغول شرقا والصليبيين غربا، واضطراب الحالة الفكرية العقائدية والأخلاقية السلوكية للمجتمعات الإسلامية بما هدد وجودها، فكان لتصدي شيخ الإسلام لهذه الحالة أكبر الأثر في استعادة الأمة لهويتها ولثقتها بدينها ونفسها، وعودتها للكتاب والسنة وهدي سلف الأمة، عقيدة وعبادة وسلوكا وخلقا وسمتا، وقد عالج شيخ الإسلام هذه القضية من كل جوانبها في كتابه العظيم (اقتضاء الصراط المستقيم) فقال في بيان الإجماع على هذا الأصل من حيث الجملة (إجماع الأمة على كراهة التشبه بأهل الكتاب والأعاجم في الجملة، وإن كانوا قد يختلفون في بعض الفروع، إما لاعتقاد بعضهم أنه ليس من هدي الكفار، أو لاعتقاد أن فيه دليلا راجحا أو لغير ذلك، كما أنهم مجمعون على اتباع الكتاب والسنة، وإن كان قد يخالف بعضهم شيئا من ذلك بنوع تأويل) . [82]

وقال أيضا (لا أعلم خلافا أنه من التشبه بهم، والتشبه بهم منهي عنه إجماعا) . [83]

كما رد على شبه من تساهل في هذا الأمر بدعوى أن من شرائع أهل الكتاب ما هو مقبول في شرعنا ما لم يرد في شرعنا ما يمنعه وأطال في ذلك فقال (الوجه الثاني لو فرضنا أن ذلك لم ينسخ فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كان له أن يوافقهم، لأنه يعلم حقهم من باطلهم بما يعلمه الله إياه، ونحن نتبعه، فأما نحن فلا يجوز لنا أن نأخذ شيئا من الدين عنهم لا من أقوالهم ولا من أفعالهم بإجماع المسلمين المعلوم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو قال رجل يستحب لنا موافقة أهل الكتاب الموجودين في زماننا لكان قد خرج عن دين الأمة) . [84]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت