فقد منعت الشريعة المطهرة والسنة المشرفة المسلمين من التشبه بالمشركين أو بأهل الكتاب حفاظا على دينهم وعقيدتهم من الزلل والانحلال، وعلى هويتهم وشخصيتهم الاجتماعية من الزوال والاضمحلال، حتى صار هذا الأمر أصلا من أصول السنة، ومحل إجماع الأمة، وكما تواترت السنة النبوية تواترا معنويا على المنع من التشبه بالمشركين عامة وأهل الكتاب خاصة، ومخالفة طرائقهم الدينية، وعاداتهم الاجتماعية، خاصة التي خالفوا فيها الفطرة وهدي الأنبياء وسننهم، بما بدلوا وغيروا في شرائعهم، حتى جاء الإسلام ناسخا لها ومهيمنا عليها، فقد أجمع أيضا الأئمة وسلف الأمة على هذا الأصل العظيم وبنوا عليه وقاسوا المسكوت عنه من ذلك على المنطوق به، وبالغوا في التحذير، خاصة بعد أن بدأت الأمة تفقد قوتها وعزتها، وتتشبه بغيرها، وقد بلغ الأمر ذروته في مطلع القرن الرابع الهجري، كما عبر عن ذلك محمد بن الحسين الآجري في كتابه الشريعة حيث حذر من خطورة اتباع المسلمين سنن الأمم قبلهم، واتباعهم طرائقهم، وقد أبان عن مدى شيوع هذه الظاهرة التي كادت تهدد كيان الأمة الاجتماعي، حيث قال (من تصفح أمر هذه الأمة من عالم عاقل، علم أن أكثرهم العام منهم يجري أمورهم على سنن أهل الكتابين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى سنن كسرى وقيصر وعلى سنن أهل الجاهلية، وذلك مثل السلطنة وأحكامهم وأحكام العمال والأمراء وغيرهم، وأمر المصائب والأفراح والمساكن واللباس والحلية، والأكل والشرب والولائم، والمراكب والخدم والمجالس والمجالسة، والبيع والشراء، والمكاسب من جهات كثيرة، وأشباه لما ذكرت يطول شرحها تجري بينهم على خلاف السنة والكتاب، وإنما تجري بينهم على سنن من قبلنا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، والله المستعان، ما أقل من يتخلص من البلاء الذي قد عم الناس، ولن يميز هذا إلا عاقل عالم قد أدبه العلم) . [81]