وقد استعان المسلمون في فتوح الشام بعرب الشام من أهل الكتاب الذين كانوا يتطلعون لتحريرهم من ظلم الرومان، فلما أراد عمر أخذ الجزية منهم أبوا وقالوا نحن عرب فخذ منا كما تأخذ من العرب المسلمين، فأخذ منهم الصدقة، وخصهم بذلك، وأجمع الصحابة على سنة عمر فيهم، فصار الفقهاء يبوبون في كتب الفقه (صدقة نصارى تغلب) ، أخذا بسنن عمر التي هي فهم عميق وعبقري لمقاصد الشريعة وغاياتها.
فالواجب معرفة أصول السياسة الشرعية والبر والإحسان مع كل من وقف مع الأمة في جهادها المشروع ضد الاحتلال، سواء من المسلمين على اختلاف طوائفهم وتياراتهم السياسية، أو من غير المسلمين، فمن أحسن إلى الأمة فالواجب الإحسان معه وإليه، كما قال تعالى {وقولوا للناس حسنا} ، وقال {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} ، وقد جاء في الحديث (من أدى إليكم معروفا فكافئوه) .
فمن ساوى بين من وقف معه وآزره ونصره ولو من غير المسلمين، بمن حاربه ووقف ضده وآزر من حاربه، فقد خالف بهذه المساواة سنة الرسول، وبدهيات العقول، وحكم على نفسه بالفشل، وهو أعجز من أن يتطلع لقيادة الأمة وسياستها، وفق هدايات الكتاب والسنة وسنن الخلفاء الراشدين.
كما يجب التمييز بين أصناف من وقفوا مع الاحتلال وهم طوائف كثيرة، فمنهم المكره، ومنهم الضعيف، ومنهم الجاهل، ومنهم السياسيون الطامعون، وعلماء السوء الضالون، الذين لهم أتباع وأشياع، فالسياسة الشرعية تقتضي غض الطرف والتجاوز عنهم، والعمل على تحييدهم وتطمينهم، فإن ذلك من أكبر أسباب تأليفهم وكسبهم في صف الأمة والمقاومة.