فهذه المقالات الثلاث قد قيلت في هذه النازلة، كما قيلت في تلك - أي يوم الخندق وحصار الأحزاب للمدينة - وهكذا قال طائفة من المنافقين والذين في قلوبهم مرض لأهل دمشق خاصة والشام عامة، وهكذا أصاب كثيرا من الناس في هذه الغزاة، صاروا يفرون من الثغر إلى المعاقل والحصون وإلى الأماكن البعيدة كمصر، ويقولون: ما مقصودنا إلا حفظ العيال وما يمكن إرسالهم مع غيرنا، وهم يكذبون في ذلك فقد كان يمكنهم جعلهم في حصن دمشق لو دنا العدو، قال الله تعالى {ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا} فأخبر أنه لو دخلت عليهم المدينة من جوانبها ثم طلبت منهم الفتنة، وهي الافتتان عن الدين بالكفر أو النفاق، لأعطوا الفتنة، ولجاءوها من غير توقف، وهذه حال أقوام لو دخل عليهم هذا العدو المنافق المجرم، ثم طلب منهم موافقته على ما هو عليه من الخروج عن شريعة الإسلام، وتلك فتنة عظيمة، لكانوا معه على ذلك، كما ساعدهم في العام الماضي أقوام بأنواع من الفتنة في الدين والدنيا ما بين ترك واجبات وفعل محرمات، إما في حق الله، وإما في حق العباد، كترك الصلاة، وشرب الخمور، وسب السلف، وسب جنود المسلمين، والتجسس لهم على المسلمين، ودلالتهم على أموال المسلمين وحريمهم، وأخذ أموال الناس، وتعذيبهم، وتقوية دولتهم الملعونة، وإرجاف قلوب المسلمين منهم إلى غير ذلك من أنواع الفتنة:
تارة يقول المنافقون للمؤمنين: هذا الذي جرى علينا بشؤمكم; فإنكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين، وقاتلتم عليه، وخالفتموهم; فإن هذه مقالة المنافقين للمؤمنين من الصحابة!
وتارة يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا بالمقام هنا والثبات بهذا الثغر إلى هذا الوقت، وإلا فلو كنا سافرنا قبل هذا لما أصابنا هذا!