فإن كان أهل البلد كارهين لوجودهم ساخطين له إلا أنهم عاجزون عن إخراجهم ولا يستطيعون طلب ذلك منهم خوفًا من سطوتهم ولا يستطيع أحد من أهل الإسلام دفع ذلك عنهم فإنهم يكونون في هذه الحال مسلمين مستضعفين في أرضهم كما كان حال المسلمين المستضعفين في مكة قبل الفتح، والواجب عليهم بذل كل ما يستطيعون بذله من جهد كدفع مال أو ضغط سياسي أو مفاوضات من أجل خروجهم بأيسر الطرق إن لم يستطيعوا قتالهم أو كان في قتالهم مفسدة أكبر ويكون حينئذ التعرض لهم بقتال ممنوعا من باب السياسة الشرعية ومراعاة للمصالح و المفاسد لا من باب أنهم أهل عهد وأمان وذمة إذ الشوكة والقوة لهم لا لأهل البلد المستضعفين.
وتكون تلك البلد حينئذ دار كفر لظهور شوكة الكفار فيها وعدم جريان أحكام الإسلام عليهم وهذا مذهب أكثر الفقهاء كمالك وأحمد وأصحاب أبي حنيفة: أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني حيث أن دار الإسلام عندهم تصير دار كفر بظهور أحكام الكفر فيها، كما في المدونة 2/ 22 والإنصاف (4/ 121) وبدائع الصنائع (7/ 130) ووافقهم أو بوحنيفة بشرط أن يكون الأمن في تلك البلد للكفار لشوكتهم وقوتهم والخوف على المسلمين فيها لضعفهم وعجزهم.
وقال الشوكاني: (الاعتبار بظهور الكلمة فإن كانت الأوامر والنواهي في الدار لأهل الإسلام بحيث لا يستطيع من فيها من الكفار أن يتظاهر بكفره إلا بإذن له من أهل الإسلام فهذه دار إسلام لأنها لم تظهر(أي الخصال الكفرية) بقوة الكفار ولا بصولتهم وإذا كان الأمر بالعكس فالدار بالعكس) كما في السيل الجرار (4/ 575) .
والمقصود بالأحكام في اصطلاح الفقهاء الشرائع والقوانين الشرعية لا الشعائر العبادية كما قال محمد بن الحسن الشيباني: (دار الشرك إنما تصير دار إسلام بإجراء حكم المسلمين فيها وأهل الشرك إنما يصيرون أهل ذمة بإجراء حكم المسلمين عليهم) أي تطبيق قوانينهم عليهم انظر (شرح السيرة 5/ 2190) .