المشهورة هي مأثورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنه لا مانع من أن يكون مجيء ألفاظ القرآن على ما يحتمل تلك الوجوه مرادا لله تعالى ليقرأ القراء بوجوه فتكثر من جراء ذلك المعاني، فيكون وجود الوجهين فأكثر في مختلف القراءات مجزئا عن آيتين فأكثر، وهذا نظير التضمين في استعمال العرب، ونظير التورية والتوجيه في البديع، ونظير مستتبعات التراكيب في علم المعاني، وهو من زيادة ملاءمة بلاغة القرآن، ولذلك كان اختلاف القراء في اللفظ الواحد من القرآن قد يكون معه اختلاف المعنى؛ ولم يكن حمل أحد القراءتين على الأخرى متعينا ولا مرجحًا" (2) . ونجد أنه قد وجه القراءات التي قام بعرضها أثناء تفسيره وطريقته في توجيهها قد ذكرها في مقدمته، نبّه على أنه سيقتصر على التعرض لاختلاف القراءات العشر المشهورة خاصة في أشهر روايات الراوين عن أصحابها لأنها متواترة، ويبني أول التفسير على قراءة نافع (3) . برواية عيسى بن مينا (4) الملقب بقالون لأنها القراءة المدنية إماما وراويًا ولأنها التي يقرأ بها معظم أهل تونس، ثم بعد ذلك يذكر خلاف بقية القراء العشرة خاصة، وهذا الذي سبق ذكره هي طريقته - رحمه الله- مع القراءات القرآنية في تفسيره ملخصًا من المقدمة السادسة في أول تفسيره."
ولقد رأيت ابن عاشور قد تنوعت عباراته في عزو القراءات، وكذلك اختلفت طريقته في توجيه القراءات، وجانبه الصواب أحيانًا في نسبة بعض القراءات إلى أصحابها، مما أثار في ذهني عدة تساؤلات: هل هو التزم منهجًا معينًا في عرضه للقراءات؟، وكيف كان سيره في عزوه لها؟ أوفِّق للصواب في ذلك، أم لا؟
ثم وقفت على دراسة موفقة في هذا المبحث بعنوان الإمام ابن عاشور ومنهجه في توجيه القراءات للباحث محمد بن سعد القرني [1] فأفدت منها
(1) لم أقف له على ترجمة.
(2) ... حمزة الزيات، أبو عمار حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الكوفي المعروف بالزيات، كان أحد القراء السبعة، وإنما قيل له"الزيات"لأنه كان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان ويجلب من حلوان الجبن والجوز إلى الكوفة، فعرف به، توفي سنة:156 هـ (انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد: 6/ 359 ـ ووفيات الأعيان لابن خلكان: 2/ 216 ـ وغاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري: 1/ 261) .
(3) ... علي بن حمزة الكسائي، الإمام أبو الحسن الأسدي، مولاهم الكوفي المقرئ النحوي، أحد الأعلام، إليه انتهت الإمامة في القراءة والعربية. توفي سنة: 187 هـ. (انظر: نزهة الألباء في طبقات الأدباء لكمال الدين الأنباري: ص 58. ـ ومعرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار للإمام الذهبي: ص 72) .
(4) ... خلف بن هشام بن ثعلب بن خلف الإمام العلم أبو محمد البزار بالراء البغدادي، أحد القراء العشرة، مات سنة: 229 هـ. (انظر: غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري: 1/ 272 ـ والإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى، لابن ماكولا: 1/ 510 ـ ومغاني الأخبار في شرح رجال معاني الآثار، لبدر الدين العيني:1/ 283) .