المبحث الأول: مسألة الخروج عن مقتضى الظاهر، وأدلتها.
يلاحظ البلغاء أن غالب كلام الناس الذي يتكلمون به يأتي على مقتضى ظاهر الحال، وقد يُعدل عنه لنكتة، مما يجدر بالمخاطب البحث عن سبب ذلك العدول مستعينًا بالقرائن، ويسمى ذلك: الخروج عن مقتضى الظاهر.
ولقد درس علماء البلاغة ضمن تتبُّعِهم لموضوعات علم المعاني ظاهرةَ الخروج عن مقتضى الظاهر في الكلام البليغ، لداعٍ من الدواعي البلاغيّة ذات التأثير في النفوس والأفكار، لما فيها من عناصر فَنّيَّةٍ إبداعيّة تتضمَّن دلالاتٍ فكرية، أو تعبيراتٍ جماليّة، أو إلماحات ذكيّة [1] . يقول الزمخشري (2) : إن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية وتجديدا لنشاط السامع, وأكثر إيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على
(1) انظر: البلاغة العربية، لعبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة: 1/ 478.
(2) ... تقدم: ص 26.
(3) ... انظر: الكشاف عن حقائق وغوامض التنزيل، للزمخشري: 1/ 14.
(4) ... الالتفات: هو في اللّغة: مصدر لفت يلفت التفاتا. هو أن تذكر الشيء وتتمَّ معنى الكلام به ثم تَعودَ لذكْره كأنَّك تلتَفِتُ إليه. وفي اصطلاح البلاغيين: هو التحويل في التعبير الكلاميّ من اتجاه إلى آخر من جهات أو طرق الكلام الثلاث:"التكلّم - والخطاب - والغيبة"مع أنّ الظاهر في متابعة الكلام يقتضي الاستمرار على ملازمة التعبير وفق الطريقة المختارة أوّلًا دون التحوّل عنها. (انظر: فقه اللغة، لأبي منصور الثعالبي: ص 276. والإيضاح في علوم البلاغة، للقزويني: 2/ 86. البلاغة العربية، لعبد الرحمن حبنكة: 1/ 479) .
(5) ... أسلوبُ الحكيم: هو عند علماء البلاغة صَرْفُ كلامِ المتكلّم أو سؤال السائل عن المراد منه، وحَمْلُه على ما هو الأَوْلَى بالْقَصْد، أو إجابته على ما هو الأولى بالقصد، وسمّاه الشيخ"عبد القادر الجرجاني":"المغالطة". وهو قسمان: القسمُ الأول: حَمْلُ كلام المتكلّم على غير ما يُريد به، تنبيهًا على أنَّه الأولى بالْقَصْد. القسم الثاني: إجابة السائل بغير ما يطلُبُ في سؤاله، لتنبيهه على أنّه الأَمْر الأَهَمُّ الذي كان ينبغي أن يسأل عنه. (انظر: الإيضاح في علوم البلاغة، للإمام القزويني: 2/ 94. والبلاغة العربية، لعبد الرحمن حبنكة: 1/ 498، 502) .